في أن تعيش وتموت من أجل الحرية: أنطون دي كوم

يعتبر أنطون دي كوم جزءاً مهماً من الذاكرة الجمعية في سورينام، إلا أن النقاش حول إرثه المهم في في مقاومة الاستعمار الهولندي والعنصرية والفاشية الأوروبية لم يظهر على السطح إلا مؤخراً، حيث أصبح اسمه يوضع إلى جانب أيقونات الثقافة الهولندية، وصار اسمه يُذكر بشكل متكرر في الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في السنوات القليلة الماضية. خصوصاً أن كتابه المهم «نحن عبيد سورينام» لم يترجم إلى الإنجليزية إلا في عام 2022، أي بعد ما يقارب التعسين عاماً من صدور الكتاب الأصلي باللغة الهولندية، ونظن أن هذا أحد الأسباب التي جعلت الكثيرين خارج سورينام وهولندا لا يعرفون عن أنطون دي كوم على الرغم من غرابة قصته التي تبدو وكأنها كُتبت من أجل فلم سينمائي أو رواية ملحمية.

في الثاني والعشرين من فبراير 1898، رُزقت جوديث ياكوبا دولدر بمولودها الأول، أنطون، وهو ثمرة لزواجها من الفلاح، أدولف دي كوم الذي وُلد عبداً محكوماً من قبل عائلة دي موك وعند حصوله على حريته، فعل ما كان معتاداً في ذلك الوقت في سورينام وعكس حروف اسم العائلة وحوّله إلى «كوم».

في المستعمرة الهولندية، درس أنطون دي كوم إلى المرحلة الي كانت تسمى «المرحلة الابتدائية المتقدمة» قبل أن يحصل لاحقاً على دبلوم في المحاسبة ومن ثم عمل في شركة بالاتا التي تركز أعمالها في استخراج المطاط من أشجار الكاوتشوك. اشتكى أنطون لمدراءه ظروف العمل القاسية التي أنهكت زملائه، ووقف في وجه مسؤوله الذي تلاعب بأجور العمال. لكن، بعد أن فشلت محاولاته في التغيير، وقع على استمارة الاستقالة وسافر للعمل في هولندا.

بعد سنة صعبة قضاها في أمستردام، غادر إلى مدينة لاهاي وشغل وظيفة كاتب حسابات. في لاهاي، وقع في حب فتاة تدعى بترونيلا بورسبوم، فتاة بيضاء عارضت عائلتها دخولها في علاقة غرامية مع رجل أسود، إلا أن بترونيلا وقفت في وجه أعراف وتقاليد المجتمع الهولندي وتزوجت بأنطون دي كوم في مدينة لاهاي وأنجبت منه ثلاثة أطفال.

بعد الزواج، بدأ في الاختلاط بالنشطاء اليساريين، والانخراط في مجموعات الكتابة التي كان الكثير من أعضاءها من المقاومة الإندونيسية المنشغلين في الكتابة ضد الإمبراطورية الهولندية. التقاءه بتلك المجموعات جعله يلاحظ الفرق بين حركتي الاستقلال الإندونيسية والسورينامية، حيث وجد في النضال السورينامي من أجل الاستقلال نقصاً حاداً في الموارد والمواد المقروءة وانعدام التنظيم خاصة عند مقارنته مع ذلك الموجود في إندونيسيا، مما دفعه في الشروع في تقليل هذه الفجوة. في البداية، استخدم أنطون دي كوم اسماً مستعاراً لكتابة المقالات المائلة إلى الشيوعية، وتطوير مخطوطات ستصبح لاحقاً جزءاً من كتابه «نحن عبيد سورينام». وصلت كتاباته الداعية لمقاومة المستعمر إلى سورينام وصارت حديث الناس هناك.

في عام 1932 سمع عن أنباء مرض والدته، فأخذ عائلته وعاد إلى سورينام. عند وصوله إلى العاصمة باراماريبو، كان في استقباله مئات الأشخاص المحليين الذين قرأوا مقالاته وسمعوا عن عمله ونيته لتقويض النظام القمعي في البلاد. لكن السلطات الحاكمة كانت قد تلقت أنباء عن قدوم «محرض شيوعي» وبدأت في التحضير للسيطرة على ما قد يصبح انتفاضة.

أشار أنطون دي كوم دائماً أن العبودية بتعريفها الحرفي كانت قد انتهت بالفعل لكنها استبدلت بعبودية بشكل مختلف، عبودية تسيطر على أهل البلاد وتنهك أجسادهم وتنهب خيرات أرضهم وكتب: «أذكركم بشيء واحد أيها الرفاق الملونون، كنتم ذات يوم عبيدًا، وسوف تستمرون في العيش في الفقر والبؤس طالما لم تضعوا إيمانكم في وحدتكم البروليتارية الخاصة. حيازة قطعة صغيرة من الأرض هنا أو هناك والحصول على مجرفة أو محراث على سبيل القرض لن يكون مفيداً لنا. نحن بحاجة إلى خطة عظيمة لإعادة بناء الوطن، خطة تتضمن شركات جماعية مع معدات حديثة، يعود ملكها لعمال سورينام … ولكن أولاً، يجب أن تطور بروليتاريا بلادنا وعيها الطبقي وتقوي روح النضال؛ فهم، كما تخلصوا من سلاسل العبودية القديمة، يجب أن يتخلصوا الآن من التفكير بعقلية العبيد».

 ولأنه مُنع من إلقاء الخطب أو نشر أفكاره علنيًا، فتح مقر استشارة في منزل والده في باراماريبو وتوافد عليه تيار مستمر من الناس. زاره أكثر من 1500 هندوستاني، جاوي، كريولي، هندي ومارون وهم أشخاص من الفئات التي كانت مستعبدة سابقًا. استمع إليهم (بابا دي كوم) كما أسموه ودون معاناتهم المتعددة من الإساءة والفقر والصدمة في دفتر ملاحظات خاص:

«يغزو مرض الملاريا أرض سورينام. معظمهم المرضى على وشك الموت وفقراء… أما مرض السل فهو يرتكب مجزرة كاملة النطاق»، وأضاف، «ربما سأجد طريقة لجعلهم [زملائي] يشعرون ببصيص من الأمل والشجاعة الذي تحتويه هذه الكلمة العظيمة التي تعلمتها في بلد أجنبي: التنظيم».

 لم تتحمل الحكومة الاهتمام المتزايد الذي أولاه الناس لأنطون دي كوم. وبدأت دعاياتها في تشويه سمعة دي كوم وتحذير الناس من التحدث إليه أو التواصل معه. لكن ما محاولاتهم لتشويه سمعة دي كوم أدت إلى نتائج عكسية. ارتفع عدد الزوار بشكل هائل لدرجة أدت إلى تعطيل الشوارع المحيطة بمنزله.

أصبح دي كوم تحت مراقبة السلطات الاستعمارية، وكان أي شخص يعتقد أنه يتآمر معه يتعرض للتهديد من قبل الشرطة. رفض دي كوم السلاح الذي قدمه له أنصاره، خشية التورط في صراع مسلح وحدوث مذبحة. بدلاً من ذلك، قام بمحاولة بائسة للتفاوض مع قوات الأمن، وسلم نفسه إلى مركز الشرطة المحلي. اعتقل فوراً بناءً بتهمة ملفقة تقول إنه كان يخطط لانقلاب عسكري، وسُجن في السجن الشهير “فورت زيلانديا”. اختفت دفتره الذي يحتوي على سجلات لمعاناة السكان المحليين.

تظاهر الآلاف للمطالبة بإطلاق سراحه وتمت تفرقتهم بواسطة إطلاق النار، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة حوالي 30 آخرين دخل هذا اليوم في التاريخ السورينامي وسُمي بالثلاثاء الأسود.

 بدون أي دليل يثبت اتهام دي كوم بالتآمر الثوري المزعوم، نقلته السلطات سرا على متن سفينة إلى هولندا دون علم زوجته وأولاده. ومع ذلك، كتبت الصحف المدعومة من الدولة أنهم يخشون أن رحيل دي كوم لن ينهي “التوترات في المستعمرة” التي أثارها.

لم يؤدي تصرف الحكومة هذا سوى في إشعال فتيل إصرار دي كوم نحو مكافحة الظلم والسعي لاستقلال أرضه. بعد أن رأى الرعب في أعين حكام هولندا الاستعماريين تجاه احتمال نشوب ثورة في سورينام، استمر في الدراسة والكتابة بشكل مكثف في لاهاي، رغم أنه كان تحت المراقبة المستمرة من قبل وكالات المخابرات المحلية. عمل يومًا بعد يوم من المكتبة المحلية. نشر كتابه “نحن عبيد سورينام” في عام 1934، أي بعد أقل من عام من نفيه من سورينام. وبعد عامين، تُرجم إلى الألمانية، في الوقت التي كانت فيه الأفكار الفاشية تنتشر في جميع أنحاء أوروبا. ومع وصول الحزب النازي إلى الحكم، مُنع الكتاب في ألمانيا.

في العاشر من مايو 1940، قصفت ألمانيا الأراضي الهولندية قبل أن تحتلها عسكرياً. وبدأت الحركة الوطنية الاشتراكية المحلية تكتسب تأييداً كبيراً في العديد من المناطق. دي كوم، الذي كان – وفقًا لبعض المصادر – قد وقع في حالة اكتئاب بسبب البطالة والهامشية، بدأ في المشاركة في المقاومة ضد الاحتلال النازي للبلاد.

كتب العديد من المقالات لصالح المجلة الشيوعية غير القانونية (دي فونك)، دون علم حتى لعائلته، وقام بتوزيع النشرة سراً بجانب مقاتلي المقاومة الآخرين. كانت العديد من كتاباته تستند إلى مقارنات بين معاملة سورينام من قبل الهولنديين والعنصرية النازية الموجهة ضد اليهود في ألمانيا وهولندا، كما أكد على العلاقة بين العنصرية والتمييز الطبقي، حيث كتب في قطعة نشرت في عام 1941: «إذا احتل النازيون [البلاد]، فهذا يعني تدمير هولندا، ستحل العبودية وسينتشر الجوع بيننا، بشكل أسوأ حتى مما نواجه حاليًا.».

مرة أخرى، رفض دي كوم اللجوء إلى الصراع المسلح، متذكرًا الرعب الذي شهده في سورينام، وواصل نشر الدعاية المناهضة للفاشية سراً. في السابع من أغسطس 1944، اعتقلته الشرطة النازية في أحد الشوارع. وبعد تفتيش منزله واكتشاف كتاباته، أخذوه إلى معسكر اعتقال هولندي ومن ثم إلى ساخسنهاوزن، معسكر ألماني للسجناء السياسيين.

تنتهي الحرب في عام 1945، وتظل زوجته تنتظر عودته. تصل الأخبار بعد مرور خمسة عشر عاماً، بعد أن عثرت المنظمات الإنسانية على مقبرة جماعية في زاندوستيل وفيها يتم التعرف على جثة أنطون دي كوم الذي مات بمرض السل في معسكر الاعتقال. يؤخذ جثمانه ويدفن في هولندا. أما زوجته التي صارت عاشقه لكل ما هو مرتبط بأرض زوجها، تسافر إلى سورينام بعد مرور عدة عقود، وتموت هناك.

تقول ابنتهما جوديث:
تدفن أمي المواطنة الهولندية في سورينام، ويدفن أبي المواطن السورينامي في هولندا. هذا الارتباط التاريخي بين البلدين يطل برأسه دائماً.

سورينام اليوم تشبه سورينام التي كتب عنها دي كوم، ينتشر الفقر فيها، وتستغل الشركات الغربية والصينية مواردها الطبيعية مثل الذهب والنفط الخام وتتسبب تلوث بيئتها وتسمم سكانها. أما السوريناميون في هولندا فما زالوا يواجهون العنصرية والتهميش وإن كان بشكل أخف.

أنطون دي كوم، اليساري الذي عاش وكافح ليرى سورينام تتحرر من هولندا، كافح ومات من أجل أن تتحرر هولندا من الغزو الألماني.

في عام 1975 تحصل سورينام على استقلالها. ويحصل أنطون دي كوم على مكانته الرفيعة في التاريخ السورينامي والهولندي.

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

الوسوم

روابط