إروين أولاف: صلاة صغيرة في وجه الفناء

في الصور التي تركها إروين أولاف، لا نرى أجسادًا صُورت لتعرض للعين بقدر ما نرى زمنًا يمرّ عبرها. الأكتاف، القماش، الشفاه المشدودة قليلًا، اليد التي تتأهّب ولا تتحرّك؛ كل ذلك يشبه إيماءةً متعمدة تقول لنا: انظر، لكن تروَّ؛ كل ما تراه هو أثر العبور. هذه الحساسية تجاه الزمن ــ لا تجاه الجمال وحده ــ هي ما يجعل صور أولاف تبدو كتمارين طويلة على الإصغاء، لا على الاستهلاك البصري السريع. وليس مصادفةً أن يصرّح في إحدى مقابلاته المتأخرة بجملة تلخّص مزاجه الوجودي: «أنا في الوقت الإضافي… في حياتي فعلتُ كل ما رغبتُ في أن أفعله»، قالها وهو يشرح كيف جعلَه المرضُ أكثر حدةً في اختياراته، وأكثر مِساحةً للّين مع نفسه ومع الآخرين.

يميل النقّاد إلى وصف أولاف بأنه مخرج للصورة أكثر منه مصوراً، بسبب مسرحية المشهد في أعماله، وانضباط الإضاءة، وتفاصيل الديكور والملابس. لكن هذا الوصف يغفل الشرارة الخفية التي يضفيها أولاف في عمله، وهو وجود لغز صغير في قلب كل صورة. هو نفسه كان قد قالها بوضوح: «ينبغي أن يكون في كل صورة قويّة لغزٌ ما، كي تنجذبَ إليها وتعودَ إليها مرّة بعد مرّة». هذه ليست حيلة لتطويل النظر؛ إنّها أخلاقيّة للرؤية، أن تترك للمُشاهِد حقَّه في الدهشة، وفي إعادة القراءة.

غير أنّ هذا “اللغز” لا ينفصل عن مادية الجسد والهواء والضوء. كان أولاف يعرف هشاشة الهواء أكثر من معظمنا. منذ 1996 شُخِّص بمرض الانسداد الرئوي المزمن، وصار معه استنشاق الاوكسجين فعلًا واعيًا بحدود الحياة. في حوارٍ طويل بعد مرضه، يتذكّر كيف أجبرته إصابته على قرارات قاسية: تخفيف وتيرة المشاريع، إلغاء إخراج فيلم كان يعمل عليه منذ سنوات، و—وهذا الأهمّ— تعلّم الاختيار بين ما ينبغي أن ينجزه وما يجوز أن يتركه لغيره. تلك اللحظة التي سمّاها “الوقت الإضافي” ليست شعورًا ميلودراميًّا بالموت القريب؛ بل هي تنظيمٌ دقيق للحياة بما تبقّى فيها من هواء.

من هنا يمكن أن نفهم التحوّل الأسلوبي الذي يرصده التاريخ القصير لعمله: من صورٍ صادمة تحمل لغة متمردة في الثمانينيات والتسعينيات إلى لغةٍ أكثر اقتصادًا وتأمّلًا في الألفية الجديدة؛ انتقالٌ من صور صارخة إلى أخرى تُفسِح مكانًا للتفسير. وقد لخّص هو بنفسه منحنى النضج هذا حين قال إنه صار «أكثر انفتاحًا في التصوير، تاركًا مساحةً أكبر لتأويل المشاهد»، مقرًّا بأنه لم يعد مسكونًا بعقدة الإثبات كما كان في بداياته.

ومع ذلك ظلّ دأبه على التحكّم في التفاصيل ثابتًا: توزيع الوزن داخل الكادر، تضادّ الملمس والضوء، لحظة الصمت بين نظرةٍ وأخرى. لذلك تبدو استعارات الرسم الهولندي الكلاسيكي، رِمبرانت وفيرمير خصوصًا، حاضرةً في طريقته: الإضاءة الجانبية التي تُدخل الزمن إلى الوجه، لا التي تُجمّله؛ والفراغ الذي لا يُملأ بالحُليّ بل بالحذر. حتى التقارير الإخبارية التي رثته توقّفت عند هذا النسغ الهولندي في عمله، وإلى مزجه بين عالم الفن العالي والإعلام التجاري والسياسة البصرية لصور العائلة الملكية، من دون أن يفقد لغته الخاصة.

لكن حديث أولاف الأهمّ عن الصورة لا يتعلّق بسطحها؛ يتعلّق بالمسافة بينها وبين صانعها. في مقابلةٍ عن مشروعه لصالح دار الشمبانيا روينار، يروي كيف بدأ بالطريقة المعتادة: فريق كبير، عارضون، ماكياج، ديكور؛ ثم أدرك فجأة أن كل شيء لا يعمل كما أراد، فعاد إلى ما سمّاه “فرد واحد، وكاميرا واحدة”. مشى مع مساعده في سراديب القبو الحجري، يلتقطان تفاصيل الجدران وآثار الرطوبة والكتابات الصغيرة. حينها تأكد أن البساطة صعبة، لكنها الشرط الذي أعاده إلى نفسه: الاقتصاد في العناصر لفتح المعنى، لا لإغلاقه.

تتجاور هذه البلاغة البصرية مع أخلاقٍ واضحة للعلاقة مع النموذج ومع السلطة. يحكي أولاف عن وعيه الدائم بعدم التكافؤ بين المُصوِّر ومَن يقف أمام عدسته: الضوء الحادّ، الكاميرا، الأوامر الصامتة، هشاشة الوقوف أمام عيونٍ تلتقطك. ولهذا كان شديد الحساسية تجاه إساءة استعمال السلطة — حساسيةٌ جذورها سيرة شخصية مؤلمة سردها علنًا في أكثر من مناسبة. هذا الوعي هو ما يفسّر لماذا لا تبدو الصور التي يلتقطها لعارضين بلا ملابس ابتزازيةً أو استعراضية فالعُري عنده علامةٌ على الزمن، لا على الإغراء فقط.

ومن اللافت أن هذه الأخلاق لم تتناقض مع نزعة الكمال لديه، بل أعادت تعريفها. يقول عن التحرير والاختيار إن الصورة لا تصبح جيّدة إلا إذا حملت الانفعال الذي أراد أن يودِعه فيها. العبارة تبدو بسيطة، لكنها تصف سلسلةً كاملة من القرارات التقنية والأدائية، كأنها تطرح أسئلة مثل كيف يُوزَّع الضوء ليكون الإحساس مقروءًا، وأين يوضع الجسد داخل الكادر كي يظلّ قائمًا من دون غموض مفتعل؟ وكيف تُضبط التفاصيل الصغيرة بحيث لا تطغى على الإحساس الكلي للصورة؟

لذلك يصعب التعامل مع أولاف كمجرّد حِرَفيّ فَارِهٌ الإتقان. من الأفضل النظر إليه ككاتب موضوعاتٍ بصرية تعبر من السياسي إلى الحميمي، من شغب النوادي الليلية إلى صور الملوك. هذا الاتساع هو ما دعا مدير الريكسموزيوم تاكو ديبيتس إلى القول إن أولاف «رأى الجمال في كل شخص»، مؤكّدًا أهميته التاريخية لالتصاق عمله بنضالات المساواة وبالتقاليد البصرية الهولندية معًا. إنّها شهادةٌ ليست مجرد ثناء بل قراءة لوضع صور أولاف داخل سلالةٍ طويلة من علاقة الهولنديين بالضوء، الضوء كمعرفة لا كزينة.

ولأنّ الصورة عنده قريبةٌ من النصّ، كان طبيعيًّا أن يشتغل أولاف على إيقاع السلسلة: مجموعات تُبنى داخلها الدلالة بالتجاور والاختلاف. من سلسلته بعنوان Mature، والتي تُحاور صورة الأنوثة والعُمُر عبر استدعاء رموز الموضة بلغة ساخرة، إلى سلسلة Berlin التي استخدم فيها فضاءات المدينة وموروثاتها المسرحية، إلى الأعمال الأحدث التي تقترب من الصمت بقدر ما تقترب من موضوعاتها. ليس هذا تنوّع موضوعات فحسب، بل هو يمكن القول أنه عملٌ على طول الموجة الشعورية للصورة: كيف تحمل مشقة الهواء، وكيف تصنع مسافة تأويل لا تُترك للمصادفة.

كثيرًا ما يُقال إن الصور المُتقنة تُخفي كل أثرٍ للمصادفة. لكن أولاف يثبت العكس، فالإتقان بالنسبة له لا يلغي المفاجأة؛ بل يحرّرها. ما يحرّك هذه المفاجأة ليس الحدث داخل الصورة، بل طريقة الحضور؛ وقفةُ جسدٍ تحاول أن تتوازن فوق أرضٍ رخوة، ضوءٌ يلمع على جلدٍ لا لأجل اللمعان بل ليستحضر الزمن. لذلك لا يستوي النظر إلى عمله إلا إذا تبنّينا وصيّته الصغيرة وهي أن نسمح للغزِ الصورة أن يعمل فينا من دون استعجال. العودة إلى الصورة جزءٌ من معناها، أي إن لم تعد، فهذا يعني أنك لم ترَ ما يكفي.

على مستوى السيرة، لا تنفصل هذه الفلسفة عن مساره المؤسسي: في 2018 قدّم إلى متحف الرايكس مجموعة نواته — نحو 500 عمل بين مطبوعات وفيديوهات ومواد أرشيفية — في خطوةٍ ثبتت مكانته في ذاكرة المؤسسة العامة، وأتاحت وضع صوره في حوارٍ مباشر مع تاريخ الرسم الهولندي داخل قاعات المتحف نفسه. هذا ليس تتويجًا فقط، بل اختبارٌ للميراث: كيف تُقرأ أعمالُه حين تُجاور لوحات رامبرانت أو فيرمير؟ وكيف يضيء الماضي الحاضر، والعكس؟

ولأن المؤسسة لا تكفي وحدها، كانت هناك حياة عامة لا تنفصل عن صورها: صورةُ المصوِّر كناشط مدني. في عام 2018، نظم حدثاً احتجاجياً واطلق عليه اسم “Kiss-In” جاء تنظيم أولاف لحدث “اعتصام القُبَل” كردّ فعل على واقعة معادية للمثلية، حين طُلب منه ومن شريكه التوقف عن التقبيل أمام أحد المطاعم. رأى في ذلك انتهاكًا لحقه في التعبير وتهديدًا لمبدأ المساواة، فدعا إلى تجمّع عام شارك فيه نحو مئة شخص، تبادلوا القُبَل علنًا في ساحة عامة. لم يكن الحدث مجرد احتجاج، بل إعلانًا رمزيًا بأن الحب والعاطفة يجب أن يُسمح لهما بالظهور في كل زاوية من هولندا، دون خوف أو تمييز. في سيرةٍ كهذه، لا يعود الخاصّ شأنًا هامشيًّا؛ إنّه المحرّك الذي يمدّ الصورة بطاقتها الأخلاقية. لذلك، حين ودّعته هولندا في 2023 بعد أسابيع قليلة من عملية زرع رئة، تكررت في المراثي جملٌ عن الدقّة والشجاعة والالتزام، لكنها كانت تعني شيئًا واحدًا: هذا فنٌّ عاش بين الناس، لا على جدارٍ بعيد.

ما الذي يبقى من كل هذا لمن يريد أن يرى كما كان أولاف يرى؟ يقدّم الرجل قاعدة ذهبية بصياغة شديدة البساطة: التفاصيل. ليس لأنها تُبهر العين، بل لأن التفاصيل — حين تُختار بعناية — تمنح الصورة ما يحتاجه اللغز ليعمل: نقصًا محسوبًا. في حواره عن روينار، حين تخلّى عن فريقٍ كبير واكتفى بنفسه وبمساعده، لم يعلن عن انتصار العفوية على الصناعة؛ كان يعيد تركيب العلاقة بين اليد والعين: تكفي تفاصيل جدارٍ رطب، أو أثرُ قطرة، لتفتح سردًا بكامله. البساطة صعبة، قال، ولهذا بالذات تُثمر.

ويكمّل هذه القاعدةَ قولٌ آخر يكرره في مواضع مختلفة: الصورة الجيّدة هي نتاج الانفعال المقصود، لا المهارة وحدها. هذا الانفعال ليس عاطفة سطحية؛ هي معيار أخلاقيّ: أن ينعكس القصد الشعوري في صرامة البناء البصري. هكذا تتجنّب الصورة أكبر فخاخها: أن تكون جميلةً وفارغة؛ أو صادمةً ومفتعلة. وحين نحمل هذا المعيار إلى سلاسل “Keyhole” أو “Berlin” أو “Mature”، نفهم لماذا لا ينفع اختزال أولاف في عنوانه الأشيع: “مصوّر الملوك” أو “مصوّر الفضيحة”. ما يصنع وحدة عمله أعمق من موضوعاته: إنه ضبط المسافة بين ما يكشفه وما يَكتمه.

ولهذا أيضًا يسهل فهم سرّ انجذاب المتاحف لعمله بعد رحيله، وخصوصًا عودة أعماله في المعرض الاستعادي الكبير «الحرية – Freedom» في متحف ستيديليك (2025–2026): أولاف أحد رموز الفن الفوتوغرافي، وعمله يُقترح اليوم كطريقةٍ لرؤية زمننا: حريةٌ داخل الصورة، تُنال بالانضباط وبالاقتصاد، لا بالفوضى. إنها حريةُ التأويل الممنوحة للمشاهد، وحريةُ السرد المتاح للجسد وهو يفاوض الضوء والهواء.

يذكّرنا أولاف بأن ما نبحث عنه في الصورة ليس المعلومة ولا الصدمة، ما نبحث عنه هو الأثر: ما تتركه فينا لنعود إليها. لذلك تُشبه أعماله صلاةً صغيرةً في وجه الفناء: ليست إنكارًا للموت، بل ترتيبًا ناعمًا للحياة حوله. وهذا ما يفسّر لماذا بدت شهادات الوداع دقيقةً حين قالت إنه «رأى الجمال في كل شخص»، ولماذا تبدو عبارته عن “الوقت الإضافي” كأنها عنوانٌ أخير لسيرته: لقد عاش كمن يعرف أن كل لقطةٍ هي فرصةٌ واحدة للإنصات. الباقي علينا: أن نمهل الصورة وقتها كي تعمل.

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

الوسوم

روابط