
فرانس كيليندونك
فرانسيسكوس جيراردوس بيترس “فرانس” كيليندونك كان روائيًا ومترجمًا هولنديًا. في عام 1987، فاز بجائزة فرديناند بوردويك عن روايته “جسد غامض”. توفي في عام 1990 بسبب الأيدز وهو في التاسعة والثلاثين من عمره
لا أحتاج إلى عدسة تجسس، فنافذة الشركة التي يعمل بها تطل مباشرة على منزلي. أستطيع مراقبته بسهولة صباح كل يوم ثلاثاء، قبل الساعة الثامنة والنصف بعشر دقائق، عندما يقف أمام باب منزلي وينتظر. اتفقنا أن يأتي إلي في تمام الساعة الثامنة والنصف، لكنه لا يريد أن يلتزم بالوقت المحدد، ولا يريد أيضاً أن يأتي قبله بكثير. يقف هناك لفترة، ذقنه مرفوعة بتجهم، وذراعيه متقاطعتان أمام صدره الضخم. بعد أن تمر عدة لحظات من الساعة الثامنة والثلث، فترة لا يمكن لأي ساعة أن تقيسها، ترتفع ذراعه بتلهف، مثل ثعبان يمدّ جسده نحو عازف المزمار، ويضغط على زرّ الجرس. قوة تيار ضغطته تسقط غطاء الجرس عند بابي.
يأتي لتنظيف منزلي. لكن قبل وصوله، أكون قد نظمت مكتبي، والتقطت الشعر المتساقط في الحمام، ونظفت المرحاض، ورتبت السرير، وغسلت الأطباق في المساء السابق حتى لا يرى بقايا الطعام المتسخة، أزيل كل آثار وجودي الجسدي التي قد تُثير اشمئزازه وتجرح كبريائه، كبريائه الذي يُضاهي بيضة نعامة.
أُعيد غطاء الجرس إلى مكانه، وأندفع نحو الأسفل، أفتح الباب الأمامي، وألوّح له مُرحباُ. أرتجف خوفاً من عودته كل أسبوع. «هل كنت في السرير؟» يسأل، مستفسراً عن تأخري عن فتح الباب وعن احتمال أنني أفرطت بالنوم. ثم يقول: «هل أنتَ في إجازة؟» ويتبعه بسؤال أخير: «هل أنتَ مصاب بالإنفلونزا؟»
تنبثق في ذهني الذكريات، مثل ذكرى الفواتير التي سددتها منذ زمنٍ بعيد، عن المرات الثلاث التي تغيبتُ فيها عن المنزل ولم يستطع الحضور لإنجاز عمله. ثلاث مرات فقط خلال ثلاث سنوات من مساعدته لي. أود أن أُشير هنا إلى أنه لا يمتلك هاتفاً، لذا لا يمكنني الاتصال وإلغاء موعده. يغير مكان إقامته بين فترة وأخرى، الآن في أحد البيوت المهجورة التي احتلها المشردين حسب ما سمعت، حيث يأخذ لنفسه مساحةً صغيرة في زاوية المطبخ أو الممر، لا تتعدى مساحة فراشه، ويُحيطها بستارةٍ قديمة. اسمه جمال. وماذا أعرف أيضاً غير اسمه؟ حتى لو عرفتُ معلوماتٍ أخرى عنه، لوجب عليّ إخفاءها، فهو يقيم هنا بشكلٍ غير قانوني. جاء من مصر.
وطنه ووطني، كلاهما كفّان مفتوحتان لقارة عظيمة. وعلى أصابعهما تتوهّج المدن الساحلية. كلاهما دلتا مستنقعات، وكلاهما سدود مائية لا نهاية لها. أجداده، مثل أجدادي، حاربوا كل ذرة من الأرض على الماء وقلبوها ألف مرة. وكلانا منفيّان. إلى هنا ينتهي أي تشابه بيننا. «لا تقل ذلك!» أقولها بنبرة مرحة، وكأنني لا أشعر أن تلك المرات الثلاث التي حرمته فيها من عمله ستلاحقني إلى الأبد في جحيمه الإسلامي. «تفضل، تعال إلى الداخل.».
«هل وصلتُ مبكراً؟»
يعلم جيداً أنه أتى مبكراً، حتى دون ارتدائه لساعة. وأنا أعلم من جانبي أنه يعلم ذلك لأنه دائماً يأتي مبكراً، عشر دقائق قبل الموعد. «لا، على الإطلاق.».
إن كان طوق قميصي غير مُستوٍ، أو علقتْ رغوة الصابون للحلاقة بجانب أذني، أو بدا وجهي عابساً بعض الشيء، كما يحدث أحياناً في الصباح، يتراجع خطوة أخرى إلى الوراء. يحرك يده المسطحة ذهاباً وإياباً بِشكلٍ دفاعي، كأنني شيطانٌ أو من شرطة الإقامة. «لا! سأنتظر! سأعود بعد ربع ساعة،» ولا يتزحزح قيد أنملة، مهما توسلتُ إليه. ثم يظهر انعكاسه مرة أخرى في الزجاج الكبير المقابل لي، بجانب الباب، مرتديًا معطفه القديم، يقف بالتزام في مكانه هناك، يقف حتى لو كانت السماء تمطر قليلاً أو بغزارة. أعتقد أنه يرى أن مناخنا السيئ لا يستحق شراء معطف شتوي بعد، لأنه يريد أن تكون هولندا شيئاً مؤقتاً. بالطبع، أتفهم أنه لن ينتظر في الخارج لربع ساعة، لن يدوم الأمر أكثر من سبع دقائق.
بمجرد دخوله، يُلقِي بسترته الشتوية ومعطفه على ظهر الكرسي. يُخرج قميصه من بنطاله، ويخلع حذائه وجواربه، ويضع نظارته على الطاولة، ويتجه بخطوات قصيرةٍ إلى المطبخ البارد. لا يسمع ما أقوله بعد الآن. أعلم أنه يفضل أن أتركه لوحده. لا يحب أن يراه أحد أثناء العمل. لا أعرف إن كان يشرب القهوة التي أُحضّرها له على نارٍ هادئة. كنت قد عثرتُ على لفائف الخبز التي تركتها له في الفرن في أول زيارة له في سلة المهملات في المساء. وكذلك كعكة الموكا الصغيرة التي قدمتها له في عيد ميلادي «انظر، جمال، أحضرتُ لك قطعة من الكعك». كل ما يريده هو أن أتركه لوحده.
صباح كل يوم ثلاثاء، أُغادر منزلي وكأن ملاكاً يحمل سيفاً يلاحقني. إن قضاء نصف يومٍ كاملٍ بعيداً عن منزلي ليس بالأمر الهين بالنسبة لي. فأنا متعلّق بشدّة بشقتي الصغيرة. أتحدثُ معها، وأصبحنا كياناً واحداً، خاصّةً لأنني لا أشاركها مع أحدٍ آخر. إنها بمثابة امتداد لجسدي.
بين أثاثي، وكتبي، وسمك الزينة، أعيش حياة البطالة بِنظامٍ مُتقن. أنام لسبع ساعات وخمس وثلاثين دقيقة كل ليلةٍ. صحتي في أفضل أحوالها. مثل رجل أحمق في مستشفى المجانين، أو أرملةٍ تقضي حياتها على كرسيّها المستقيم، لدي فرصة جيدة لأعيش حتى المئة. أنفق كل حبي على الأشياء الصغيرة، على كتبي، ولوحاتي، وعلبة السجائر القديمة، وصندوقٍ مليء بِفلينات النبيذ، دون استثناء، أشياءٌ جامدة بلهاء لا تختبر مشاعري أو تشكك فيها، مشاعر كأنها مثبتة بالصمغ.
في الماضي كنت معلماً. وهي فترة لا أستذكرها بمتعة، لكنني على الأقل كنت موجوداً. أما الآن فأنا شخص تبقى رسائله واستماراته على زوايا مكاتب الموظفين لأسابيع، ثم تسقط منها دون أن يلاحظها أحد. بهذه الطريقة أختفي. هكذا أظل موجوداً فقط لنفسي في النهاية. عموماً، لا أجد ذلك غير محتمل، ولكن أحياناً أشعر وكأنني ميت إلا قليلاً. أحياناً أفكر في رسم مخطط بياني لأيامي الجيدة والسيئة، لأحدد إحصائياً ما إذا كان التقدم في العمر هو بالفعل ما أشعر به منذ فترة، لكنني أجد دائماً أن من الحكمة ترك ذلك في المجهول. أحاول أن أعيش بأمانة أياماً جيدة. من حين لآخر، تبدو أيامي السيئة وكأنها تتبع بعضها بعضاً بسرعة. حينها أذهب لأمضي أسبوعاً عند أختي في مونتفِرْلاند. وعند عودتي، أجد حياتي محتملة ومقبولة.
صحيح أنني أُغادر منزلي أحياناً لفترةٍ أطول من نصف يومٍ، عندما تكون الظروف مناسبةً، لكنّني لا أُحبّ أن يُقرّر جمال ذلك. عندما يُنظّف منزلي، أشعر وكأنني تحت تأثير التخدير، مريضاً بألمٍ لا أستطيع الشعور به. وكأن أحدهم يُمزقني ويُفتّتني من الداخل. إذا أردتَ يوماً ما أن تُشاهد روحًا بلا جسد، فعليك فقط أن تتبعني في أحد أيّام الثلاثاء بينما أتجول في المدينة.
أجلسُ في مقهى لمدّة ساعةٍ، منكباً على صحيفة الصباح. تُؤدي الصحف، خاصةً صحف الصباح، إلى انخفاضٍ حادٍّ في منحنيات أيّامي على المخطط البياني؛ لكنّني أقرأ صحيفة الصباح يوم الثلاثاء، لأنّه لا يوجد شيءٌ آخر يمكن فعله في المقهى قبل الساعة العاشرة. أقرأ، من خلال رموشي، عن انتصار أسلوب حياتي. عن النسب المئوية لارتفاع معدل المواليد كل شهر، عن المليون الذي نسمة التي ستضاف إلى تعدادنا قريباً. بعد بضع سنواتٍ أخرى، سيكون عدد العاطلين عن العمل أكثر من النساء. في غضون وقتٍ قصير، ستصبح طريقة حياتي هي الحالة الإنسانية الأكثر شيوعاً. ومع ذلك، لا نزال نُنكر ذلك، أنا ورفاقي في المصير. عندما ننتظر جميعاً قبل الساعة العاشرة بقليل عند مدخل المقهى للقراءة، يتظاهر الجميع بِأنّهم مشغولون بالعمل. أحرص دائماً على حمل حقيبةٍ مليئة بالأوراق. يأتي آخرون مع نظارتين أو صفٍّ ملون من الأقلام في جيوب صدورهم. بمجرد فتح الأبواب، يحاول كلّ واحدٍ منّا أن يكون أوّل من يصل إلى المجلات، لأنّنا جميعًا متعطشون لنفس الورق اللامع، ونفس الصور الملونة بالحجم الكامل للصفحة التي تُدخلنا إلى حدائق شونبرون وسيسينغهورست، ومعابد تيكال، وغرف الخزائن على طول طرق التجارة القديمة. تأخذني هذه الصور إلى مكان بعيد، هل تظن أنني لا أحتاج الذهاب في رحلة؟
عندما يكون الطقس جميلاً، أترك قاعة القراءة جانباً. أتجوّل في السوق، أشعر بالثراء من خلال الاستفادة من أكبر عددٍ ممكن من العروض الترويجية. أُدلّل نفسي دون خجل. لديّ خمسة عشر قطعة صابون في الخزانة، شفرات حلاقة وأربطة أحذية لسنوات، أكوام من الملابس الداخلية في عبواتٍ لم تُفتح، فقط لأنّني أشعر بشفقةٍ عميقةٍ على نفسي صباح يوم الثلاثاء. بين الحين والآخر، أعود إلى المنزل (أعيش في وسط المدينة) لأضع كيس التسوق الخاصة بي تحت الدرج. أقف هناك لفترةٍ قصيرةٍ، على أمل سماع هدير المكنسة الكهربائية المُريح. يحدث أحياناً ألا أسمع شيئًا. لا أسمع خطواتٍ نشطة، ولا أسمع صوت دلوٍ باهتٍ أو سلمٍ يتمّ نقله. يسود صمتٌ عميقٌ، على الرغم من كثرة المنافذ في المنزل، ذلك النوع من الصمت الذي يصدر عن شخصٍ يختبئ. لم أمتلك يومًا الشجاعة للصعود والنظر إلى الأعلى. لكنّني اتّصلتُ بهاتف منزلي مرةً، لأنّني نسيتُ أن أخبر جمال أنّ هناك مُورداً سيأتي إلى الباب. لم يردّ. في كلّ مرةٍ أتصل فيها، أتخيل كتفيه المرفوعين بوضوحٍ أمامي.
بحلول الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة يُسمح لي بالدخول إلى منزلي مرة أخرى. هذا الوقت حدده جمال، وأظن لأنه يحتاج إلى الصلاة عند تمام الساعة الثانية عشرة. عادةً ما أجده جالسًا على كرسي، ينتظر بلا حراك، ويداه متشابكتان أمام بطنه ورأسه مرفوع كعادته عندما لا يعمل، بعناد. عند دخولي، يقف ولا يرد على تحيتي. في بعض الأحيان، يكون ما زال منهمكاً في عمله، يغني بصوت حاد. يأخذ الأمر وقتاً قبل أن يدرك وجودي، ثم يتمتم بشيء من الاعتذار ويكمل عمله بصمت وبسرعة فائقة. في هذا الوقت، أشعل سيجارة وأتظاهر بمراجعة بريدي. «أنا لا أنظر، ألا ترى!» تصرخ كل حركاتي المنصرفة عنه إليه. عندما ينتهي من عمله، يغسل يديه وقدميه، يرتدي ملابسه، ويقف أمام نفس الكرسي الذي يجلس عليه عادةً. بدون أن يقول شيئًا. بدون حتى سعال تنبيهي، مهما كان خفيفاً. حتى بنظراته لا يرغب في تنبيهي.
لحظة الدفع هي أكثر اللحظات غرابة في يوم الثلاثاء بأكمله. حاولت تجنب ذلك عن طريق ترك نقوده مسبقاً، لكنه ينفض الغبار عنها بقلق ولا يلمسها بإصبعه. لم يسمح لي أن أسلمه الخمسة وعشرين جيلدراً مباشرة. أضعها على حافة الطاولة.
ثم يجب أن أتظاهر أنني لا انتبه. عندها فقط، عندما أكون على وشك أن أغيب عن الأنظار، يجوز له أن يأخذها. ممسكاً بالورقة بين إبهامه وسبابته، خائفاً على ما يبدو من أن تسبب الأصابع الأخرى حفيفاً مزعجاً، ثم يخرج من بابي دون كلمة وداع، مطأطئ الرأس مهزوماً. لدي شك في أنه يقف على بابي كل أسبوع ويشتم. عندما يُغلق باب الشارع في الطابق السفلي خلفه، يُفتح باب شقتي تلقائياً. يدفع المزلاج إلى أسفل بقوة صامتة لدرجة أنه يستغرق ثلاثة أيام حتى يعود إلى الأعلى. «من هناك؟» يسمعني جيراني وأنا أنادي لأيام، لأنه حتى في أيام الجمعة، يستمر باب شقتي في الانفتاح عند أدنى تيار هواء في بيت الدرج.
عندما ألتفت إلى داخلي المتعثر، أشعر وكأن لا شيء سيكون كما كان، وكأنني ذهبت إلى محطة القطار ذلك الصباح لأودع شخصاً عزيزاً سيرحل إلى الأبد. على أرضية الخشب، تتقلص بقع الرطوبة. صوري المعلقة تبدو مضطربة. قطع الزينة المغبرة وُضعت في أماكنها بشكل خاطئ ومهين. في حوض السمك، تختبئ الأسماك بين الصخور. الساعة الكهربائية على مكتبي تتأخر بربع ساعة، وهو الوقت الذي استخدم فيه جمال المقبس لتشغيل المكنسة الكهربائية. من خلال إعادة كل شيء إلى مكانه الصحيح، أستعيد إحساسي بالملكية على مساحتي. جسدي الثاني يعود إلى الوعي ويصاب فوراً باكتئاب ما بعد التخدير. في المطبخ، أتحقق مما أخطأ جمال في ترتيبه بعد غسل الصحون، فأفصل الأواني الفخارية عن الزجاجية، الأطباق المسطحة عن العميقة، والسكاكين عن الشوك عن الملاعق. هناك خزانة مطبخ واحدة أعلنها جمال منطقة محظورة. لسبب ما لا يعيد إليها ما آخذهُ منها. لا توجد في تلك الخزانة سوى أكواب وأطباق وأوعية، لا شيء مميز، لكنّ جمال يُحافظ عليها كما لو كانت تابوتاً مقدساً، مقدساتي المقدسة، فقط ليظهر لي مدى حرصه على أسراري.
هكذا تسير الأمور بيننا منذ ثلاث سنوات. ربما كان من الأفضل لو وظفت شخصاً غيره للمساعدة، بل أفضل من ذلك، لو لم أوظف أي شخص على الإطلاق. سأوفر بالتأكيد الوقت إذا قمتُ بالعمل بنفسي، بالنظر إلى كل ما أقوم به من تحضيرات قبل وصوله وما أقوم به بعد مغادرته، والوقت الضائع بينهما. لكنني لا أحتاج إلى التوفير في الوقت، لديّ الكثير منه. السبب الأفضل أنني سأوفر تلك الخمسة والعشرين جيلدر. والسبب الأفضل من ذلك هو الألم الذي سأوفره على نفسي. ومع ذلك، أجد نفسي آكل حساءً خفيفاً مع خبز جاف في منتصف الأسبوع حتى أتمكن من دفع راتب هذا الولد الصحراوي. لأنّ هذا هو العمل الوحيد الذي أفتخر به. لا أحد يستطيع استخدام هذا المال بشكل أفضل منه. أنا متأكد من أنه لن يعطي فلساً واحداً للمرابين أو مُثيري الحروب. طالما أنني أسلم المال له، فلن تراه المؤسسات المالية ومكاتب الضرائب. أنا أحسده على هذه الحرية. إنه لشرف لي أن أمنحه هذه الحرية قليلاً. وأفضل ما في الأمر هو أنه بفضله، أنا كشخص عاطل عن العمل، أتمكن من أن أكون صاحب عمل. معاً نشكل اقتصاداً صغيراً.
لذلك، أرى أنه من المؤلم أن يقتصر تفاعلنا على قواعد ثابتة. تجعل القواعد كل يوم مشابهاً لليوم الذي قبله. حياتي كلها تسير وفقاً للروتين. أيامي أسرع من مكوك النسّاج، وتنتهي، بسبب نقص الخيط. أعود إلى قراءة مذكراتي وأدرك أن التسلسل الزمني قد تلاشى من ذاكرتي. متى وجدت هذا العصفور ذي الجناح المكسور على عتبة بابي؟ – يمكن أن يكون اليوم، لكن لكي أعرف متى وكيف وجدت العصفور فسأضطر للرجوع إلى خمسة دفاتر مذكرات سابقة، لقد مضى على ذلك سنوات. لا شيء مما يحدث لي له تاريخ.
من شقتي، مختبر الوحدة، أدون بالفعل وبكل دقة عن أحداث أيامي. وحدهم أمثالي، الذين لا يمرون بأي تجارب، والذين يرقدون على رماد التاريخ، كما قال تروتسكي ذات مرة، لديهم الوقت لكتابة اليوميات. تدور أحداث يومياتي حول لقاءات لم تتحقق، وفرص ضائعة، وحنين جارف إلى المعاناة اليومية التي رافقت فترة عملي كمعلم (عن طلابي الذين بدأت مؤخراً في فهمهم حقاً، وقطار شحن يعبر تقاطع سكة حديد بخطى بطيئة، يسبقه رجل يحمل علماً أحمر، عن أنفاس راكبي التي تتكثف في الهواء، عن مشهد لمحطة السكك الحديدية المركزية من كاتينبورخ، في الساعة السابعة صباحًا، عندما تشرق عليها أولى خيوط الشمس فتتألق كأنها القسطنطينية). أصنع من أشياء ذكرياتي، وأحبسها في دفتر حبي الجامد.
سأخصّص بعضاً من تدويناتي لجمال. أكتبها هنا لأذيب العنبر الذي غطّاها، لأمنح تلك الأحداث استمراريةً، تاريخاً. لا تتوقه من هذا السرد خاتمة نهائية، بل أكتبه لأخلق ذلك الحلّ، لأحقق المصالحة، أو حتى لأثِير شجاراً إن لزم الأمر. خاتمةُ هذا السرد تقعُ على الجانب الآخر من الصمت، خلف السطر الأخير. سأتأكد من أن يطّلع جمال على هذه الصفحات، سأضعها على طاولته، ولن يستطيع تجاهل إغراء اسمه المكتوب عليها. عندها سيرى نفسه من خلال عينيّ. أنا صديقك يا جمال! القصص السابقة وصفت الحياة فقط؛ هذه القصة يجب أن تغير حياتي.
عندما عاد للعمل في الأسبوع التالي، كان جمال على غير العادة، لم يخلّع معطفه فور دخوله. غرز يده في جيبه الداخلي، وأخرج رسالة، وتحقق منها قبل أن يُسلّمها لي. تخيّلت نفسي واقفًا هناك، إلى الأبد، بعينين واسعتين مليئتين بالفرح، وأنا أشير إلى صدري: «رسالة لي؟» فكرت إن كان يريد أن يتبادل التعبير معي عن طريق الكتابة، فبالطبع سأحب ذلك! لكن قطع حبل أفكار وقال: «من فضلك، صححها لي.»
اتضح أن الرسالة موجهة إلى امرأة تُدعى دولي. تجسّدت صورتها في ذهني على الفور: شعر أشقر طويل، تي شيرت ضيق باهت اللون وجينز ضيق، تنزلق مؤخرتها على مقعد دراجة؛ على الورك الأيسر قلب وردي فاقع مخيط بخيوط سميكة. امرأة تدعى دولي في علاقة مع عربيّ متشدّد، لا يمكن أنْ ينتج عن ذلك أي شيء جيّد.
«أليست هذه الرسالة شخصيةً نوعًا ما لكي أطّلع عليها؟»
«صحّحها من فضلك» ربما عليّ فقط أنْ أفعل ما يطلبه.
صفتان مُخططتان مربوطتان بحلقة جلدية، مكتوب عليهما بقلمِ أخضر رفيع. اُستخدمت علامات الاستفهام وعلامات التعجب في الأماكن التي تعجز فيها الكلمات عن التعبير. وعدته بأنني سآخذ الرسالة إلى غرفة القراءة، وأنه سيستعيدها في تمام الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة.
»صحّحها الآن من فضلك. »
أحاول إخفاء نفوري من خلال إمساك الصفحتين بعيداً عني. (شارع سوق السلاح 1، القاهرة) هو العنوان المذكور في الزاوية اليمنى العليا، كوعودٍ غامضة، يكتب لـ دولي أنه ما زال يملك أذنيه وأن عمره تجاوز السادسة قليلاً. كتب أن «الأشرار» تكلموا عنه بسوء. «أن إقامة علاقة غبية أمرٌ صعبٌ للغاية،» يتنهد بحكمة. على الأرجح أن دولي كانت مترددة. يهددها بمشاعره الرومانسية، ويعدها بحبٍ يدوم إلى الأبد. «يحتاج الحب إلى الماء… أن تسقيه يدين… يدٌ واحدةٌ لا تكاد تُطعم النبات…!» لقد فكّر بهذا بالتأكيد على فراشه، خلف ستارته. هي ضوءُ قمرهِ في الليالي الحزينةِ. يختتم الرسال ويقول: «من دونك يصبح كل شيء صديقاً للعدم». يعرف جمال عدة لغات، ويحب أن يتحدثها كلها في آنٍ واحدٍ. «الله» هو توقيعُهُ.
هناك بعضُ العباراتِ التي تحتاجُ إلى تفسيرٍ. وبصورة عابرة، أسأله أيضًا عن الغرض من هذا التوقيع «كيف يمكنني تصحيح الرسالة إذا كنتُ لا أعرف مضمونها؟»
«صححها من فضلك.»
أغير ترتيب بعض الكلمات، واستبدل «السخيفة» بـ «المجنونة» ثم «المجنونة» بـ «السخيفة»
«برأيك، هل الرسالة جميلة، يا سيد يوب؟»
أؤكد له أنها رسالة جميلة للغاية. يظهرُ ابتسامة عريضة، تلمعُ وجنتاهُ، وتغرق عيناهُ في السعادة، ويصدر صوتاً غامضاً، أظهرت ابتسامته فجوة حملت في يوم من الأيام سناً أمامية. رأيتُ جمال كطفل رضيع في ذلك المنزل على زاوية شارع سوق السّلاح، في القاهرة، تحت يدي أمه الممتلئتين، حيث تُصدر العملات الذهبيّة رنين مستقبلهما.
«هل يمكنني طرح سؤال آخر، أيها السيد يوب؟» بالطبع، الأفندي، أنا، حريص على إرضائه مرة أخرى دون مقابل.. «هل تؤدي لي خدمة،» يقول، ثم يلتزم الصمت، ثم يعيد القول: «بأن تخبرني ما إذا كان لدي، نعم، كيف أقول…» يدحرج عينيه، يلعب بأصابعه «ما إذا كان لدي، كما تعتقد، ما يلزم لكي أكون حبيبها؟»
يرى فيني الحكمة! يبدو أنه يعتقد، بصدق، أنه بسبب كوني هولندياً أستطيع أن أدرك مشاعر دولي التي لم أقابلها من قبل. «لا أملك أي فكرة يا جمال،» أجيب بصدق، لكي يعلم أن هناك في هذه المسألة وفي العديد من الجوانب الأخرى لا فرق بيننا. لا يعجبه ذلك، وتهبط ملامحه كعلم بلا ريح.
أحاول مساعدته بأي طريقة ممكنة. «ربما عليك أن تُطيب لها الخاطر قليلاً. ضوء القمر في الليالي المظلمة – هذا لن يعني لها الكثير. قُم بتسليط الضوء على كل ما تجده جميلًا فيها واذكر لماذا. ابدأ من أصابع قدميها، ولا تترك شيئاً، حتى تتأكد هي أنك تحبها ولا أحد غيرها.» أحسست أنه يجب عليّ أن أضع يدي على كتفيه وأهنئه مسبقًا على انتصاره. ينحني رأسه. «شكرًا لك كثيرًا، يا سيد يوب.» تذبل الرسالة بين أصابعه.
عندما أسأله في الثلاثاء التالي ما إذا كان قد تمكن من إقناع دولي بحبه، يرد بإيجاز أنه لم يراسلها. لماذا؟ يرد لأنني صححتها له بقلمٍ أحمر، فالأحمر كما يقول، هو لون الكراهية. يا له من تفسير غريب، والأكثر غرابة أن اتهامه كان مختلقاً، الحقيقة أنني استخدمت قلم رصاص، وكل ما صححته كان قابل للمسح. «لا أكرهك يا جمال!»
وقال إنه لاحظ أنني تواصلتُ مع دولي وأخبرتها «أشياء» عنه. كيف وصلت لهذا الاستنتاج يا جمال؟ هل هبطت حمامة على كتفك وأخبرتك بذلك؟ يرد باضطراب أنه رأى «إشارات» تدل على ذلك أن يقول إنه يُفضل البدء بتنظيف المكان.
بعد أن ينتهي من تنظيف المكان، تعود علاقتنا كما كانت.
في يوم الثلاثاء من شهر ديسمبر، بعد أشهر من تلك المحادثة عن دولي، غادر شقتي صامتاً ومنهكاً كما هو الحال دائماً، وعندما انفتح الباب خلفه بقوة حتى بدا وكأن منزلي يهتز، وجدتُ أمام عتبة بابي رسالة مكتوبة بخطه ومُرسلة إلى (السيد يوب)، «لأجلي؟»؟ كانت الرسالة على حافة العتبة، وكأنها سقطت من جيبه عن غير قصد، «حدث هذا من دون قصد» كما يقول لي دائماً عندما يكسر شيئاً في منزلي.
ثلاث سنوات مضت وأنا أعمل لديك، وها نحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ. وعدتني بشيءٍ، لكنّكَ لم تُوفِ به… لمْ تعطني شيئًا في المقابلِ، لم تبادلني العطاءَ. بذلتُ قصارى جهدي، لكنْ أحيانًا تعقينا الوسائل عن إثبات ما نريده. هذه حقيقة لا يستطيعُ الهولنديونَ، ولا أنتَ أو غيرك إدراكها!
أحب هولندا كثيراً. يا لهُ من بلدٍ جميلٍ بألوانهِ الخضراء والحمراء وبمياهه…! في الهولنديينَ روح عظيمة مليئة بحبّ الخير، لكن هناك أيضاً حربٌ في أنفسهم بين الحب والجشع، وفي النهاية ينتصر الجشع. كما يقال، الأرز لمن زرعه فقط! في مصر، أرواح الناس ضيقة بسبب الفقر. أشعر بالخجل من الهولنديين، يا سيدي. لقد فتحوا رسائلي واستخدموا أفكاري. الهولنديين يكرهونني.
في بعضِ الأحيانِ، نترجم أفكارنا بطريقة خاطئة. الفرق الوحيدُ بين الغابات والمدن هو أن الحيواناتِ لا تستطيعُ التكلم… يا للأسف! الأمانِ في العقلِ يبدأُ حينها بالزّوالِ. (القلمُ الأسودُ لا يعني شيئًا… هكذا يخرجُ منْ تلقاءِ نفسهِ!) أنتَ ما تفهمُهُ.
أخطف معطفي من حامل المعاطف وأندفع إلى الخارج مسرعاً. هو مخطئ عندما يقول أن التعبير لا يؤدي إلا إلى سوء الفهم، لقد قرأت اعترافه بتأثر، على الرغم من أن ظلاً قد خيم على تأثري للحظة وجيزة عندما رأيت أن رسالته أيضاً موقعة باسم «الله» لكنني قررت تجاهله، ربما هي مجرد مجاملة متبذلة يوجهها إلى ربه الرحيم، الله أكبر، الله العظيم، له المشرق والمغرب، شيء من هذا القبيل. حسناً، لا داعي للقلق، إذا واصلت المشي بنفس الوتيرة سأتمكن من اللحاق بجمال. أعتقد أنني أعرف أين يقع مسكنه الحالي. يجب أن أتحدث إليه الآن. لدينا الكثير من القواسم المشتركة، أكثر بكثير مما اعتقدتُ.
ألستُ أنا أيضاً غريباً في هذه الهولندا الجميلة؟ صحيح أنني أعيش في منزلي الخاص، لكنني منبوذ من المجتمع. أنا أيضاً أصاب بالجنون من كثرة اللامبالاة من حولي. حزنهُ هو توأمُ حزني، أنا ما أفهمهُ. ألا يمكن أن تجمعنا وحدتنا؟
بالتأكيد، هنا النص مع تقليل الحركات:
يا مسكين جمال! إذا كان يعتقد أن الهولنديين يكرهونه، فهو يبالغ في تقديرهم. لا يستطيع الهولنديون أن يكرهوا، كما أنهم لا يستطيعون أن يحبوا – لكنهم بارعون في ممارسة لا مبالاتهم الثقيلة. أنت هو الذي يكره، يا جمال! أنا أيضًا أحمل الكراهية في نفسي. إن الهولنديين لا مبالون جداً لأن الديمقراطية قد جعلت منهم عبيداً خاملين. يعتنق السياسيون هذا النظام من الحكم على أنه “أقل الأنظمة شروراً “. يقولون هذا بقناعة، قناعة يؤمنون بها! نجحت الديموقراطية عند الإغريق لأن أفراد مجتمعهم كانوا يعرفون بعضهم البعض، واستطاعوا اتخاذ القرارات معاًن لكن كيف تسير الأمور في بلدنا؟ قوة مجهولة العدد، يطلق عليها أغلبية، هي من تحكم. لكن الأغلبية ليست فرداً، وإن أخطأت فلا يمكنك مساءلتها. يُنظر على أخطاء الأغلبية كما لو كانت كوارث طبيعية لا يمكنك معارضتها. أنا أفضّل أن أعيش في ظل حاكم مستبد، حاكم واحد، على الأقل يمكنك قتله. تعلن الأغلبية أننا الهولنديين أعداء لروسيا، لكن أنا لا أشعر بهذا العداء. شيء عادي أن تقرر الدولة، بحكم الأغلبية، دخول حرب مدمرة، لكنه شيء خيالي ومجنون عندما يقرر حاكم واحد مستبد فعل نفس الشيء. تضررت أنا من الأغلبية، فهي من قررت أنني لم أعد مؤهلاً لممارسة مهنتي. أنظر إلى جميع هذه الكتب في منزلي، لقد قرأتها كلها، قرأت بعضها ثلاث أو أربع مرات، قرأت العهد الجديد والكوميديا الإلهية، أحفظ تلك الصفحات كاملة عن ظهر قلب. أنا رجل يحمل حكمة العصور لكنه موقوف من قبل الأغلبية. الديموقراطية كارثة، الجنون هو من يسيطر، والدولة هي أكبر تهديد للمواطن.
هل قابلت الزوجين اللذين يعيشان فوقي، تلك الجثث المتضخمة برؤوسها وأطرافها الصغيرة وغير الضرورية؟ كلاهما عاطلان عن العمل. لم يتحدثا منذ سنوات. يفتحان أفواههما فقط لوضع الطعام. قريباً، سوف سيسقطان على الأرض. كل يوم، تبدو خطواتهما أكثر غرابة، أصوات خطواتهما تضرب سقفي بشكل مريب. إنهما طيبان. يستخدمان المال الذي يحصلان عليه من الدولة ويحولانه إلى براز. إنهما قناتان هضميتان، أنبوبان يربطان بين الحكومة والصرف الصحي. عندما تمطر بغزارة، لا يستطيع التصريف استيعاب فضلاتهما، مما يدل على جهدهما الكبير. تطفو الفضلات في المدخل، عبر الرصيف وإلى المزاريب. حينها، يجب أن يأتي رجلان من إدارة النظافة. يحملان معهما أعواد خيزران طويلة، يتم ربطها ببعضها البعض. يستخدم أحدهم العصا لتحريك البالوعة. «هل تسير العجينة؟» يسأل الآخر، الذي يراقب من البالوعة التالية. يحرك العصا حتى تسير العجينة مرة أخرى ويمكن للمال أن يتدفق.
أنا وأنت يا جمال، لدينا معاً اقتصاد على مقياس إنساني. مشاكل ذلك الاقتصاد الآخر يمكن حلها ببساطة. نلغي العرض والطلب. تخلص من المستهلك غير المتوقع. نربط المصانع مباشرة بمرافق تدمير البضائع. في الوسط، نفرض ضريبة، وندير الأمور بالسرعة التي نراها مناسبة. السادية والمازوخية في بلدها لهما وجه ودود!
أتخيل كيف سيكون جمال في الأسبوع التالي، أتخيله يصعد درج المؤدي إلى منزلي، يبقي رجليه مفتوحتين بشكل مضحك، يدوس الأرض بقوة، ومع كل خطوة ينفخ من أنفه، ويتحرك مثل ما تتحرك شخصية كاريكاتورية، أتخيله يهمس لنفسه «أنظروا كيف امشي! خطوة تلو خطو، مثل عابر سبيل مسن، يتبعني صاحب المنزل الذي أعمله له، ألستُ احمقاً يثير الشفقة؟» لكنني أضحك على أفكاري.
يراني جمال عندما أصل إلى الطابق العلوي في المبني الذي يسكنه، ينبثق الفرح من عينيه، ويدير وجهه إلى الجانب الآخر مثل فتاة مراهقة تشعر بالحرج، لا تظهر حمرة الخجل على بشرته المصرية، بل لون برتقالي. أردتُ أن أزيل خجله وأقول له أن رسالته أثرت فيّ وأثارت قلقي. «لا، لا تقلق» يلوح بيده ويضحك. «أنها مجرد مزحة مثل التي تقرأها في مسرحيات موليير.» عفواً؟ مزحة مولييرية؟ لقد فهمته جيداً. لم يكن من السهل عليّ أنا أيضاً أن أتابع كل ما قلته عندما فتحت قلبي له بعد صراع مع نفسي الكسولة. لقد أحرجته بجديتي. يومئ برأسه موافقًا على كل ما قلته دون تردد.
يُمعن النظر في نعل حذائه، نعل مليء بالثقوب. معطفه قذر، لا بد أنه يحتاجني أن أنظفه له. يقف شعره في خصلات قصيرة في جميع الاتجاهات، مثل فرخ فقس للتو. قُص مؤخراً. لابد أن شخصاً ما قد فعل ذلك من أجله، لا أعتقد أنه ماهر لدرجة تجعله يقص شعره بنفسه. أتخيله جالساً تحت يد الحلاق، وكيف تصغر عيناه من شدة الرضا. أضع حداً لتخيلاتي. إذا كان لديه شخص ما يقص شعره من أجله، فلماذا سيحتاج إليّ بعد ذلك؟
عندما يضحك جمال، ألاحظ أن ضحكته مجرد عادة يمارسها، وأنها ليست نابعة تعبيراً عن الفرح الصادق. هل تجرع قسوة الاغتراب خلال السنوات الثلاث الماضية؟ أنا متأكد أن حياته الصامتة هنا، وعب الفقر الذي يقيد روحه، وبالإضافة إلى حالة الملل الطويل الذي نعرفها نحن الغربيين، أصبحت أكثر من طاقته، وأن جزءاً من الأمان قد تلاشى في نفسه.
هناك أيضاً «السيدة ليزي»، الصديقة التي عرفتني على جمال. لقد جربنا كل شيء لكي نثنيه عن استخدام «سيد» و«سيدة»، لكنه يصر على ذلك بشدة، ويا للعجب، نحن لا نجد ذلك مزعجاً على الإطلاق، بل نراه احتراماً وتقديراً يمنحنا شعوراً بالنبل. تعيش ليزي حياة مزدحمة كطبيبة، ولديها منزل يتطلب الكثير من الرعاية، مع ثلاثة كلاب وزوج. يأتي جمال إليها مرتين في الأسبوع. اتصلت بها وسألتها إذا لاحظت شيئاً غريباً في جمال. كان صوتها مريحاً، وكانت مستعدة لإجراء محادثة هاتفية ودية، وعلى الرغم من أنها لم تتذكر شيئاً غريباً على الفور، إلا أنها أخذت وقتاً كافياً لتذكر أي شيء غريب لاحظته عن جمال.
قالت: «يكسر طبقاً بين الحين والآخر. بل يكسر طبقاً كل أسبوع تقريباً. لقد قام بتنظيف أرضيتي الخشبية مرة، حتى اضطررت إلى إعادة تلميعها بالكامل. قبل شهرين تقريباً، أغلق على نفسه الباب عن طريق الخطأ في الصباح؛ عندما عدت إلى المنزل في الساعة السادسة مساءً وجدته يقف حافي القدمين على الرصيف. لماذا؟» تريد أن تعرف.
قرأت لها رسالته بمناسبة العام الجديد. كيف صدقتُ أن شكواه؟ إنها رسالة لمختل عقلي، بلا شك. خصوصاً تلك الاتهامات الملفقة. الأمر غير واضح. أخبرت ليزي عن هوسه المجنون بتلك المرأة. نقرّت لسانها بشفقة. حاولت أن تتذكر المزيد. أوه نعم، لقد استشارها مرة بشأن آلام في المعدة. اتضح أنه كان يتغذى بشكل رئيسي على الأطعمة السكرية. كانت هناك أيضاً مشاكل جنسية لم يرغب في ذكرها بالاسم. وهل لاحظت أي شيء عن هوسه بالألوان؟ عند التفكير في ذلك – لديها على أريكتها وسادة حمراء كانت تختفي دائماً عندما يكون موجودًا. كانت تجدها في أغرب الأماكن: تحت سريرها، في خزانة العدادات.
نحن الآن أغلبية من اثنين، أنا وليزي. نضحك عليه بصوتنا المصفى، ثم ينطق أحدنا، لا أتذكر من، كلمة «فصل». أوه، ناقشنا الكلمة كشيء مستحيل: «لا يمكنك فصله، لا يمكنك فعل ذلك لشاب كهذا، لا يجوز» – لابد أن أحدنا قد قال شيئاً كهذا. ولكن بمجرد نطق الكلمة، يصبح مصير جمال معلقاً بخيط رفيع. أجلس متأرجحاً مع هذا الموضوع، على مقعدي بجانب الهاتف. يتأرجح مصير جمال صعوداً وهبوطاً بينما نناقش إيجابيات وسلبيات مثل هذه الخطوة. ألن يكون في مصلحته، إذا أجبرناه على العودة إلى مصر من خلال الفصل؟ ليس لديه مستقبل هنا. طوال حياته، سيكون عليه البقاء في أعمال التنظيف هنا وينقل فراشه وستائره القديمة من مسكن إلى آخر. سينكسر ظهره من كثرة التنظيف، ولن يتبقى له أي سن من كل الشوكولاتة التي يأكلها. تعتقد ليزي أن المشاكل تنتظره في وطنه. تتذكر شيئاً – ألم يجعل فتاة من الجيران حاملاً؟ في اجتماعنا الأول، منذ زمن طويل، ألمح إلى أن أفكاره تُعتبر تخريبية في القاهرة. ألم يُطرد من الجامعة؟ نغلفه بشائعاتنا. على الرغم من أننا تحدثنا فقط افتراضياً، إلا أنه جاهز تقريباً للشحن عندما أضع سماعة الهاتف.
أنا التمساح. أستريح في الوحل، بين أشجار الصفصاف المائية، محمياً بظل اللوتس. يرقص الضوء من خلال عطاسي، لكنني رقيق، وأفتح فكي بحنان أمام الطائر الصغير، الذي يمشي فوق أسناني ويستخدم منقاره الطويل لالتقاط بقايا الطعام والعَلَقات. أنت ذلك الطائر، جمال! كل يوم ثلاثاء، أستقبله بنية واضحة لطرده، لكن لا تتحقق الفرصة المناسبة أبداً، فتعاملنا منظم للغاية.
كل يوم تقريباً، أخرج في نزهة حوالي الساعة السابعة مساءً. في ذلك الوقت، يكون معظم الناس في وقت تناول العشاء، وأكون قد استحوذت على المدينة لنفسي. اليوم، تُرسل الرياح أزهار شجر الدردار في شِعَابٍ فوق الحجارة المرصوفة بالحصى من اتجاهات مختلفة. تتراكم الريشات الرقيقة للغاية على طول حواف الرصيف، وأنا أمشي ببطء شديد في الميزاب، عبر أكوام أزهار الربيع التي تصل إلى كاحلي، وأركلها في الهواء، حيث تلتقطها الرياح مرة أخرى. أشعر وكأن الجاذبية قد حلقت قليلاً عن الأرض. فوقي، تتحرك الغيوم فوق بعضها البعض، وتظهر مناظر خلابة – شمس ساطعة تُبهرني وتُشعرني وكأنني مكون من النور الخالص. يبدو الأمر كما لو أنني خرجت لأول مرة بعد فترة طويلة من المرض، وأفكر في موتي، كما يفكر الشباب أحياناً في موته م- برغبة لا تكون قوية إلا لأنها ستظل غير مُتحققة لفترة طويلة.
ثم أرى جمالًا يسير على الجانب الآخر من القناة، بالقرب مني قليلاً. هذه هي المرة الأولى التي ألتقي به فيها خارج العمل. إذا ذهبت إليه الآن، فسيتعين علينا الاستغناء عن طقوسنا الراسخة. هذه فرصتنا للبدء من جديد. أرى شعره الأسود، وساق نظارته، وأطراف بنطاله التي تتدلى في ثنيات متهالكة، ثقيلة من أوساخ الشارع، على حذائه. في يده – تظهر فقط أطراف الأصابع من تحت كم سترته المائلة – حقيبة التسوق البلاستيكية ذات الأحرف البالية تقريبًا، نفس الحقيبة التي يحملها منذ ثلاث سنوات. كان مكتوبًا عليها سابقًا «اللحم الطازج من جزارك هو الأفضل». يسير دون النظر حوله، على عجل، كما لو كان عليه أن يذهب إلى العمل.
ثم أرى جمالًا يسير على الجانب الآخر من القناة، بالقرب مني قليلاً. هذه هي المرة الأولى التي ألتقي به فيها خارج العمل. إذا ذهبت إليه الآن، فسيتعين علينا الاستغناء عن طقوسنا الراسخة. هذه فرصتنا للبدء من جديد. أرى شعره الأسود، وساق نظارته، وأطراف بنطاله التي تتدلى في ثنيات متهالكة، ثقيلة من أوساخ الشارع، على حذائه. في يده – تظهر فقط أطراف الأصابع من تحت كم سترته المائلة – حقيبة التسوق البلاستيكية ذات الأحرف البالية تقريبًا، نفس الحقيبة التي يحملها منذ ثلاث سنوات. كان مكتوبًا عليها سابقًا «اللحم الطازج من جزارك هو الأفضل». يسير دون النظر حوله، على عجل، كما لو كان عليه أن يذهب إلى العمل.
إذا نادى أحدهم اسمك من وراء ظهرك، حتى لو كنت تحاول جاهدًا لتجنبه، فإن ساقيك ستتوقفان عن السير لا إراديًا. لكن جمال يمضي في طريقه دون أن يلتفت لصوتي الذي يتردد بين المباني، بينما تتمايل حقيبة اليد التي يحملها بنفس الإيقاع. أضع إصبعي الإبهام والسبابة على شفتي وأطلق صفارة. «جمال!» يمشي دون أن يلتفت، وكأنه أصم تمامًا. أظل واقفًا على ضفة القناة. تنتابني لحظة رغبة عارمة في العبور عبر الماء نحوه، فهو مغطى بالكامل بأزهار الربيع. أشعر بثقل الذنب والحزن العميق. لا، ما زلت بعيدًا كل البعد عن ترتيب أموري. كان ذلك الشعور بالموت الذي انتابني سابقًا سابقًا لأوانه تمامًا. حزينًا على جمال، أسلك طريقًا ضيقًا. أعبر جسرًا، وأمر عبر شارع تجاري، ثم أدير رأسي فجأة لأرى على واجهة محل كيّ صورته وهو يمشي وسط قمصان بيضاء ناصعة، لا يزال غافلًا وآليًا كما كان دائمًا. كيف تمكن من اللحاق بي بهذه السرعة؟ أشعر بأن دقيقة واحدة فقط قد مرت منذ أن كنت واقفًا على ضفة القناة. لكن ربما كنت واقفًا هناك أحلم، ناسياً الوقت. «جمال! هل لديك دقيقة؟ أحتاج إلى التحدث معك.» لا يصدر أي جواب. تلمع الشمس على عدسات نظارته. الآن لا توجد أي قناة لتفصل بيننا. ثلاث خطوات فقط. عندما أحاول الإمساك بذراعه، أشعر وكأننا قطبان مغناطيسيان متنافران – لا يمكنني فعل ذلك، ويجب أن أتركه يمضي.
خلال بقية مسيرتي، التي تسير دائمًا على طول مسار متعرج لا يمكنني تتبعه بنفسي (ومع ذلك، نفس المسار دائمًا، أعلم ذلك بالتأكيد)، يتسلل إليّ مرارًا وتكرارًا شعور بأنه لا يزال في مكان قريب مني، كقرش يتبع فريسته. شعور يتبين في كل مرة أنه لا يستند إلى أي شيء ملموس.
لذا، كان من المفاجئ أن أراه يمر مرة أخرى أسفل الشارع عندما كنت أريد إغلاق نافذتي في المنزل في وقت لاحق من تلك الليلة. من أنت يا جمال، لدرجة أنك لم ترغب حتى في إلقاء نظرة على منزل عبوديتك؟




