
ريمزي شين
كاتب ورئيس تحرير صحيفة دي ريخوليست المعنية بقضايا مجتمع العين ميم في أمستردام وهولندا
أنه يوم السبت، اليوم الذي يمضي فيه فين طقوسه المعتادة استعدادًا لقضاء ليلة صاخبة في شارع ريخوليرسدفارسترات. تساوره حيرة في اختيار الزي المناسب، يتردد في اختيار ملابسه: تي شيرت أنيق أو قميص قصير. كان قد اتفق مع أصدقائه على إحياء ذكريات الماضي في “سليتن ديسكو”. يردد في نفسه “أنت تعيش شبابك مرة واحدة فقط”، مدركًا حاجته الماسة لجرعة من الاهتمام.
منذ انفصاله، اقتصرت علاقاته على تواصل سطحي عبر تطبيق Grindr الشهير، لم تتجاوز المحادثات في التطبيق عبارات مثل “مرحبًا” و “ما الذي تبحث عنه هنا”. ينتهي به الأمر في سرير شخص غريب بعد رحلة قصيرة بالمترو من شارع دي بايب، ليغادر بعد ربع ساعة فقط. سلوك سطحي، بلا شك، لكن فين لم يكن مستعدًا بعد لعلاقة جادة، ويكتفي في الوقت الحالي بمتع عابرة، لكنه يتوق الليلة لشخص مختلف، شخص يشاركه الرقص، ويرفع معه كأسًا، وينام معه دون قيود، ليستيقظ في اليوم التالي دون أن يجد نفسه عالقًا في علاقة معقدة.
قرر فين أخيراً ارتداء قميص قصير، حتى مع إدراكه أن هذا الزي قد يجلب انتباه غير مرغوب فيه. “لا يهم، فأنا ذاهب لـ “سليتن ديسكو “، هكذا ردد في نفسه. “حتى الانتباه غير المرغوب فيه هو في النهاية انتباه، ربما أجد هناك رجلًا مسنًا يود تقديم الشراب لشاب جامعي يبلغ من العمر 21 عامًا.” على الرغم من وظيفته بدوام جزئي كـ بَاريستا، لم يملك فين الكثير من المال، وذلك بسبب الإيجار الباهظ الذي يدفعه كل شهر مقابل شقته الصغيرة التي تبلغ مساحتها 10 أمتار مربعة في شارع دي بايب، والتي قد يصفها البعض بالضيقة، لكن فين يفضل وصفها بالدافئة والمريحة. فهو يجد فيها الراحة والأمان. ومن لا يرغب في العيش في شارع دي بايب؟ لقد طلى جدارًا واحدًا باللون الأزرق، الأزرق المغربي كما وصفته السيدة في متجر مواد البناء. يذكر فين هذا التفصيل عندما يُتهم بالعنصرية لرفضه مواعدة أي شخص له ملامح أجنبية. لم ينوي فين الارتباط بأي شاب من أصل شمال إفريقي بعد أن حطم بلال، حبيبه السابق، قلبه. كان على فين مغادرة الراحة التي تقدمها له شقته الصغيرة والخروج في تلك الأمسية لملاقاة صديقه المقرب، تومي، لتناول الشراب. “يا إلهي، أنها الثامنة مساءً!” هتف فين. كان قد أتفق مع تومي على اللقاء في الساعة الثامنة والنصف مساءً. خرج مسرعاً للوصول في الوقت المحدد.
وصل فين إلى منزل تومي متأخرًا بخمس دقائق. أنعم القدر على تومي بنصيب وافر من الحظ، فقد أبصر النور في كنف والدين ثريين. يدير والده شركة ناجحة، بينما تعمل والدته طبيبة في القرية التي نشأ فيها تومي. عندما كرر تومي فعلته، وعاد إلى المنزل للمرة السابعة مع شاب بعد سهرة وأيقظ جميع من في المنزل بصراخه، قرر والداه أنه حان الوقت لأن يعيش بمفرده. وافق تومي على ذلك لكن بشرط واحد، إذا تمكن من السكن في العاصمة. وضعت والدته إعلانًا على الفور في المجلة المتخصصة “آرتس إن أوتوس”. وكان العنوان “ابن زميل يبحث عن أستوديو مع حمام خاص في أمستردام”. لم يمر وقت طويل حتى وجدوا أستوديو في وسط مدينة أمستردام، يطل على ميدان نيوه ماركت. أصبح أستوديو تومي نقطة تجمع لأصدقائه وأصدقاء فين عندما يخرجون للسهر.
“قميص قصير؟ يا للجرأة!” قال تومي بلهجة أمستردامية مُصطنعة يحاول استخدامها منذ أن انتقل إلى أمستردام لكيلا يُنظر إليه على أنه من الطبقة الأرستقراطية المهاجرة من منطقة خوي. للأسف، لا تنجح محاولاته دائماً.
“نعم، قميص قصير يا تومي، يعيش المرء شبابه مرة واحدة فقط!” يرد فين بابتسامة عريضة، بينما يفتح تومي زجاجة من النبيذ. في غضون ذلك، يخرج فين هاتفه من جيبه ليبدأ “البحث” عن المرشحين المحتملين يرافقونه الليلة إلى “سليتن ديسكو”.
يفتح Grindr ويبدأ النظر إلى حسابات الشخصية في التطبيق. “أين ذهب كل الشباب الوسيمين؟”، يسأل بصوت عالٍ عبر الأستوديو. يُومئ تومي، الذي كان مشغولاً بصبّ النبيذ، برأسه موافقاً.
أثناء استعماله للتطبيق، يفكر فين في نفسه ويشعر أن حفلة سليتن ديسكو قد تكون مملة جدًا. يقطع اهتزاز هاتفه المفاجئ حبل أفكاره. أرسل أحدهم علامة إعجاب. شخص ذو شعر رمادي. “يا لحظي السيئ، مرة أخرى، رجل عجوز قذر.” بدافع الفضول، يضغط على الملف الشخصي للرجل.
يظهر شخص يدعى بول، ذو شعر رمادي، لكن بعينين زرقاوين سماويتين، وتجاعيد مرسومة على جبهته التي تشع بالحكمة، ويرتدي بدلة لا تقل قيمتها عن بضعة آلاف من اليوروهات. لا يعرف فين الكثير عن الموضة، لكن هناك شيء في بول يجذب انتباهه. ثم يلاحظ عمره، 53 عامًا، أكبر بعام من والده.
ومع ذلك، هناك شيء غريب في بول.
بينما كان فين يتصفح صفحة بول الشخصية، يهتز هاتفه مرة أخرى. هذه المرة، تلقى رسالة.
“مرحبا”، كتب بول.
“مرحبًا”، رد فين.
“ماذا تبحث عنه هنا؟”، مضيفاً السؤال الذي يردده دائمًا على التطبيق.
“ماذا أبحث عنه؟ أبحث عن شخص لأقضي معه وقتًا ممتعًا”، أجاب بول.
“يبدو أمر مثير للريبة.” رد فين.
“لماذا؟” سأل بول.
قبل أن يتمكن فين من الرد، قاطعه فين ووضع كأس من النبيذ أمام وجهه. “مع من تتحدث؟” سأل تومي بفضول بينما يسحب هاتف فين من يديه. “يا له من عجوز قذر!” ضحك تومي. لم يعرف فين كيف يرد، لذا ضحك قليلاً بينما يستعيد هاتفه.” ربما سيدفع لنا ثمن الشراب!” قال فين ليبرر محادثته مع بول. “نعم، بالتأكيد!” ضحك تومي وهو يأخذ طبق الجبن الذي اشتراه من محل إيكوبلازا.
تستمر الدردشة:
“كما قلت لك، هذا يبدو مثيراً للريبة”، رد فين.
“هل تبدو 200 يورو مثيرة للريبة؟” كتب بول.
“نعم، إذا كان عليّ التعامل مع أنبوبك مقابل ذلك” أجاب فين. بالتأكيد يمكنه استخدام المال.
“وحدهم السباكين من يكسبون المال من الأنابيب”، أرسل بول مازحاً.
“أبحث فقط عن بعض الرفقة، ربما أكثر. لكنني سأدفع أكثر مقابل ذلك”، قال بول.
“هل ستفعل شيئًا ممتعًا الليلة؟”، تابع بول.
“مجرد رفيق”، يفكر فين في نفسه، “هذا يعني 200 يورو سهلة”.
بعد كل شيء، كان يبحث عن شخص للرقص معه وشرب بعض المشروبات. و200 يورو إضافية هي مجرد مكافأة. لكنه لا يزال يرى إنه أمر مثير للريبة، رجل يبلغ من العمر 53 عامًا. “لكن، إذا جاء إلى النادي، فلن يحدث لي أي شيء، فهناك الكثير من الناس حولي” فكر فين. “اللعنة” نطقها فين بصوت عالٍ. ماذا؟” يصرخ تومي من الجهة الأخرى من الأستوديو. “آه، لا شيء!!”، يرد فين بصوت مرتعش.
“سأخرج للسهر، هل تنوي القدوم؟” سأل فين بول بجرأة ولكن في نفس الوقت بتردد.
“هل لا يزال الناس الذين تجاوزوا الأربعين يخرجون للسهر على الإطلاق؟ أم أنك ستكسر ظهرك وأنت ترقص؟” أضاف فين.
“أكسر ظهري؟ سأريك ماذا أفعل في ساحة الرقص”، رد بول.
“في أي وقت سأراك هناك؟” سأل بول. “سأكون هناك في منتصف الليل”، رد فين.
يتوقف بول عن الكتابة ولا يرد على الرسالة. يعتقد فين أنه قد يكون رجل مخادع.
“تعال، انهي نبيذك”، يسمع فين تومي ينادي من بعيد. يذهب فين لأنهاء شرابه.
بعد بضعة أكواب من النبيذ، يقرران المشي إلى النادي. هناك، يصاب فين بالصدمة. في الداخل يقف رجل أنيق ذو شعر رمادي يرتدي كنزة عنق طويلة فوقها معطف أسود. دون أن يقول شيئًا، يسحب فين إلى حلبة الرقص، ويضع ذراعيه حوله، ويدخل ورقتين من مئة يورو في سرواله الداخلي من نوع كالفن كلاين.




