بعد إقامة امتدت إلى ما يقارب السنتين في العاصمة الفرنسية، باريس، قرر الفنان الهولندي فينسنت فان خوخ مغادرة المدينة التي لم تستقبل فنه بالشكل الذي تمناه. في فبراير 1888، يتجه فان خوخ إلى آرل، المدينة الهادئة في جنوب فرنسا، والتي كان يأمل أن يؤسس فيها مجتمعاً للفنانين الذين لم تقدرهم الأوساط الفنية الباريسية. لم ير فان خوخ أفضل من الفنان الفرنسي بول غوغان ليكون قائد هذه المجموعة، وأرسل له دعوات متكررة يطلبه فيها المجيء إلى ما سماه (ستوديو الجنوب). آمن فان خوخ أن غوغان سيشغل دور مرشده ومعلمه، علماً أنه لم يكن أكبر من فان خوخ سوى بخمس سنوات.
تفهم ثيو فان خوخ احتياج شقيقه لشريك فني في عزلته في آرل، وقدم عرضه للفنان الفرنسي: 150 فرنكاً شهرياً مقابل الانتقال والعيش مع فينسنت فان خوخ. وافق غوغان على العرض المغري.
بالنسبة لفان خوخ، كان وصول معلمه الذي طال انتظاره إشارة إلى أن رؤاه الفنية على وشك التحقق، لكن كانت لغوغان دوافع أخرى. لم يهتم حقاً في ترأس المجتمع الفني الجديد، ولم ير في هذا الانتقال سوى وسيلة توفر له ما يكفي من المال ليسافر مرة أخرى إلى جزيرة مارتينيك، مصدر إلهامه الأكبر.
«كانت صداقتهما موعودة بالفشل قبل أن تبدأ» يقول المؤرخ الفني برادلي كولينز في كتابه (فان خوخ وبول غوغان: جدالات صاعقة وأحلام طوباوية). فبمجرد وصول غوغان إلى مسكن فان خوخ قال إنه لم يهتم لمدينة آرل وأنها «أقذر حفرة في الجنوب الفرنسي.» وأنه كان ينتظر أقرب فرصة للعودة إلى منطقة البحر الكاريبي.
«بهذه الكلمات، دمر غوغان خيالات فان خوخ، الذي رآه قائداً لمجموعة فنية جديدة.». تحول فان خوخ إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة، وصارت فرضية رحيل غوغان عن المدينة شيئاً يقلقه بشكل دائم.
وبينما يخيم التوتر أول فترات هذا التعاون، استقر الفنانان في منزل منزو في وسط مدينة آرل، والذي اسماه فان خوخ (المنزل الأصفر). في هذه الفترة كان فان خوخ قد خرج للتو من صيف مثمر أنتج فيه عدداً من لوحاته الخالدة؛ (مزهرية عباد الشمس)، و(ليلة مرصعة بالنجوم على نهر رون).
جاء غوغان ليكون المرشد والمعلم، لكن الإقامة مع فان خوخ خلقت أجواء تنافسية بين الاثنين. وصار غوغان يرسم نفس الموضوعات التي يرسمها فان خوخ، ورسم لوحة بعنوان (مقهى ليلي في آرل – مدام جينو) وهي تعد بمثابة الرد على اللوحة الأيقونة التي رسمها فان خون (شرفة مقهى ليلي في آرل).
في مذكرات غوغان الشخصية، التي كتبها بعد سنوات عديدة، أبرز الفنان الأكبر سنًا الطابع الغريب لعلاقته بالفنان الهولندي. وبيّن التناقض بين شخصيته وشخصية مضيفه، فغوغان كان فناناً يرسم ببطء وبأسلوب منهجي، بينما كان فان خوخ غالبًا ما يقوم بإنهاء اللوحات في بضع ساعات. كما كشف عن مشاكل فان خوخ في التنظيم والنظافة:
«في كل مكان، وفي كل شيء، وجدتُ فوضى تدهشني. لم يتحمل صندوق فرش الرسم كل هذه الأدوات المتزاحمة. لم يستطع اغلاق الصندوق المكتظ. لكن، وعلى الرغم من كل هذه الفوضى، إلا أن هناك شيئاً من اللمعان يظهر في لوحاته وفي حديثه أيضاً.».
لم يفوت غوغان أي فرصة لانتقاد فان خوخ، وفي نفس الوقت لم يمنح لوحات صديقه الثناء المستحق.
في المقابل، انزعج فان خوخ من الاهتمام الكبير الذي أولاه غوغان للمال. ففي تصور فان خوخ كان مجتمع الفنانين الذي أراد تأسيسه شبيهاً بالدير تقريبًا، مثل تضحية خالصة من أجل فكرة مثالية. بينما كانت نسخة غوغان من مجتمع الفنانين تشبه أكثر الاتحاد النقابي، حيث يقوم الرسامون بجمع أعمالهم وبيع أسهم للمستثمرين. في لهجة معادية للسامية بشكل غير معتاد من الهولندي، اشتكى فان خوخ في رسالة بعثها إلى شقيقه ثيو عن «خطة غوغان اليهودية».
من الصعب معرفة الحقيقة الكاملة حول سلسلة الأحداث التي أدت إلى فرار غوغان بالقطار إلى باريس قبل يومين من عيد الميلاد. في مذكراته، يصف غوغان نفسه كمرشد اهتم بفان خوخ الذي صار سلوكه غير متوقع مع مرور الأيام، مما جعل غوغان يشعر أن سلامته مهددة. قال إن فان خوخ كان يقف صامتًا فوق سرير غوغان أثناء نومه، وينفق أموالهما المشتركة على العاهرات ومشروب الابسنت. في إحدى الليالي، قذف فان خوخ بزجاجة مشروب نحو رأس غوغان. رأى الفنان الفرنسي بهذا الفعل قلة احترام وتعدياً على حدوده، وأبلغ فان خوخ أنه سيراسل ثيو وسيرحل إلى باريس في أقرب وقت.
يبدو أن قرار غوغان بمغادرة آرل كان مرتبطاً بالتدهور العقلي الذي أصاب فان خوخ. في اليوم التالي، تشاجر مع فان خوخ بعد أن دخل الأخير في نوبة من الجنون. أمسك فان خوخ بموس حلاقه ولاحق غوغان في الشارع. اختبئ الفنان الفرنسي في فندق خوفاً على سلامته، دون أن يعرف أن شريكه في السكن قد عاد إلى المنزل الأصفر وقطع جزءاً من أذنه اليسرى في واحدة من أكثر اللحظات غرابة في عالم الفن. ووفقًا لتقارير الشرطة، ذهب فان خوخ بعد ذلك إلى ماخور دعارة، وطلب مقابلة امرأة تدعى راشيل، وقدم لها الأذن الملفوفة والملطخة بالدم كذكرى.
ومع ذلك، يدعم أكاديميان ألمانيان، هانز كوفمان وريتا فيلديجانس، نظرية أخرى: لم يقطع فان خوخ أذنه بنفسه، بل كان غوغان (الذي كان ماهرًا في استخدام الأسلحة) هو الفاعل، وقطعها بسيفه عن طريق الخطأ، فهو لم يقصد إيذاء صديقه. فكل ما أراده هو تخويفه. بعد ذلك، فر غوغان وألقى السلاح في نهر الرون (في ذلك اليوم، اختفى سيفه الذي كان يحمله دائماً). هناك عدد قليل من الوثائق التي تدعم نظرية كوفمان وفيلديجانس.
لن يرى الرجلان بعضهما البعض مرة أخرى شخصيًا، على الرغم من أنهما استمرا في كتابة الرسائل لبعضهما البعض منذ ذلك الانفصال إلى لحظة الانتحار المأساوي لفان خوخ في مصح عقلي وهو في سن الـ 39.
في تاهيتي في عام 1901، رسم غوغان لوحة لعباد الشمس، ربما كتحية أخيرة، أو كتعبير عن ندمه، وأهداها لصديقه الذي كان مهووسًا بتلك الزهور وألوانها…




