الحرب متعة – بوب دين أويل

جاكوب (بوب) دين أويل (27 مارس 1930، روتردام – 13/14 فبراير 1992 روتردام) كان كاتبًا هولنديًا يكتب في الغالب قصصًا قصيرة. أسلوب كتابته غالبًا ما يكون ساخرًا ومختلفاً. يبرز الأسلوب الساخر في أعماله. كانت معظم كتاباته الأخيرة متعلقة بالسفر (بالدراجة الهوائية) في هولندا والبلدان المجاورة لها.

استمع، ها قد قامت الحرب. ما الذي يمكن أن يتمناه صبي في العاشرة من عمره أكثر من ذلك؟ أخيرًا، فرصة ذهبية للهروب من روتين الذهاب إلى المدرسة كل يوم. ففرضية أن تباد المدرسة بكل ما فيها من دروس وكتب ودفاتر لم تخطر على باله يوماً. يا لها من أيام! الطقس رائع، صافٍ وحار، وهناك توتر سعيد يرفرف في الهواء. قُطعت خطوط إمدادات المياه الرئيسية، وغُطيت النوافذ بالصحف، وسُدلت الستائر ليلاً. يخزن الناس الطعام بجنون طوال اليوم؛ رفوف الأسواق فارغة من محتوياتها بينما على بُعد بضع شوارع، يجري قتال ضد المظليين. تتساقط الطائرات من السماء الزرقاء الصافية طوال الوقت، طائرات رمادية جميلة ذات أجنحة نورس مقوسة – أولاً تأتي، تأتي على شكل سرب عالٍ، ثم تتوزع مثل أغنية وتهوي صارخة على المدينة، والجسور، والمطار، والسفينة الحربية المرساة في أنتفيربسه هوفد. يصدح الراديو طوال اليوم بأصوات المذيعين الجادة والرنانة وهم يقرأون التقارير عن الهجمات والهجمات المضادة، يختبئ الجنود في الأروقة ويطلقون النار على المخربين. وفي كل صباح، يأتي ذلك النور نفسه مرة أخرى، سماء زرقاء صافية أخرى – حلم يتحقق. يمكن لأي شخص أن يموت في أي لحظة. يُذاع النشيد الوطني مرارًا وتكرارًا، كما لو كانت مباراة كرة قدم بين هولندا وبلجيكا تُلعب ثلاث مرات في اليوم. على الراديو يتحدث الجميع عن محنة، عن الثقة في الله – عما يتحدثون؟ تقول الشائعات إننا سنموت من الجوع والعطش، يهبط المظليون الألمان بملابسهم المدنية. القوات البريطانية والفرنسية تتقدم من الجنوب. جنودنا الشجعان ضد الألمان الملاعين، وبعد ذلك لديك الخونة الأوغاد. تغمر الصبي مشاعر جياشة تجعله يرغب في البكاء، امتناناً، فهو يعيش فترة الحرب! اختاره الله أن يعيشها. هذا واضح.

اليوم الخامس، الأخير. الاستسلام بلا شروط هو مطلب ألمانيا لإيقاف عدوانها. ياله من هراء، هولندا هي أشجع دولة في العالم، أليس كذلك؟ فقد فتحنا الهند الشرقية، وبنينا جسر زويدرزي، ولدينا قوارب الإنقاذ. هذه أشياء تشير لأهميتنا، أليس كذلك؟ وماذا يعني لو فرت الملكة إلى إنجلترا، فهي على أي حال لن تعرف كيف تتعامل مع بندقية. لا، إننا كما يقول الجميع، سنقاتل حتى نطرد الألمان من البلاد. لقد قُتل منهم مئات الآلاف بالفعل. لا أحد في هذا العالم يقاتل من أجل أرضه أفضل من الشباب الهولندي. سينتبه هتلر لذلك وسيأخذ الأمر على محمل الجد. ستقف جيوشنا ثابتة في مكانها، لقد كانوا مستعدين لذلك، وقفوا بثبات وسيستمرون في الثبات، سترون. الشائعات: عندما تنفد الذخيرة من المارينز، سيهاجمون الألمان بالسكاكين، وعندما تنفد السكاكين سيستخدمون أسنانهم. الجنود الذين قُطعت أرجلهم يواصلون تحضير المدافع بهدوء. هكذا نحن نقاتل، وسنحافظ على الخط. علاوة على ذلك: مهما حدث، تبدو العودة إلى المدرسة الآن بعيدة جدًا، الأمور لن تكون كما كانت أبدًا. من الآن فصاعدًا لن نستعمل أيدينا لتعلم الكتابة بل للقتال. في المنزل، يصر الصبي على أن يُشحذ سكين الخبز حتى يصبح حادًا كالموس. لكن الغريب، أنك لا ترى أيًا من طائراتنا في الجو، باستثناء بضعة منهم في ذلك اليوم الأول من الحرب. أين طائراتنا G-1؟

تحذير عام على الراديو: اغلي الماء لمدة خمس دقائق قبل الاستخدام.

اليوم الخامس، الأخير. لم يتوقف القصف على المدينة منذ ساعة. سحر لا مثيل له. في البداية، يجب على الصبي البقاء داخل المنزل، فالمخبأ الموجود في الحديقة لا يمكن الاعتماد عليه في حال سقوط قنبلة. ألواح خرسانية مائلة تميل باتجاه بعضها، مغطاة بطبقات من العشب، باب خشبي، تفوح من المكان رائحة البول. الطائرات تؤدي رقصة مرحة وأنيقة في الهواء، تتسلق، تدور، تنغمس. تتساقط الذخائر الصغيرة من هياكلها، تتدحرج وتختفي في الدخان. عاصفة رعدية هائجة. يعم التوتر عندما تمر طائرة حربية فوق المنزل؛ إذا القى قائد الطائرة قنبلة الآن، ستهبط مباشرة فوقنا! لكنه لا يفعل ذلك: يندفع مثل حصان أسود، يطير مرورًا بنقطة الحسم ويختفي فوق مركز المدينة، بين الدخان والسرب من الطائرات الأخرى. لو حدث حريق أسفل قناة نوردير فلن يكون شيئاً مقارنة بما يحدث هناك. المدينة تزمجر وتتشقق، لا يمكن أن يستمر هذا طويلاً.  لن يحدث شيء أسوأ فمعظم الطائرات قد طارت بالفعل. ثم فجأة تأتي طائرة من نوع ميسرشميت وتجوب ببطء عبر المدينة الشمالية مثل محارب مرهق. ينظر إليها الصبي، تفتح أبواب الخليج وتسقط الذخائر. يركض إلى الدرج، حيث ينضم إلى المستأجرين الذي تجمعوا بطريقة تتوافق مع التعليمات التي سمعوها من الراديو: الدرج هو الجزء الأكثر أمانًا في المنزل. تبدأ الأرض في الاهتزاز، الناس يبكون – ليس هناك سبب لذلك، فالقنابل تسقط بعيدًا في الشارع الآخر، وتحت سماء مظلمة مليئة بالدخان تبدأ البيوت في الانهيار والاحتراق. يندلع ذعر طفيف، تبدأ العائلات بالركض نحو المأوى، لكن المأوى ممتلئ على آخره بالفعل. هنا أيضًا نساء يبكين، ورجل يصرخ بغضب ويقول إن وقت الاستسلام قد حان وإلا سيفنى الجميع. ذلك غريب، لماذا تظن أنك لن تنجو من هذا؟

ينتهي القصف بعد ساعة واحدة. تهب الرياح الجنوبية القوية وتدفع الدخان فوق المنزل. تختفي الشمس خلف السحب المتشابكة، ويتساقط الرماد على الشارع المظلم. الجميع صامت الآن؛ الصبي يقف عند النافذة وينظر إلى اللاجئين من وسط المدينة، الذين يدفعون عرباتهم الممتلئة ويحملون فرشهم على ظهورهم باحثين عن الأمان. الحريق في الشارع يولد ألواناً غريبة ضد السماء المظلمة. “حريق قوي، أليس كذلك؟” يقول الصبي لوالده الذي يقف بجواره، ويحصل على صفعة في رأسه على الفور. ويشعر بشكل تدريجي في الاشتباه بأن شيئًا مروعًا قد حدث. رجل بجرح في الرأس يتعثر في الشارع الأصفر المتسخ. رائحة النار تتسرب من خلال النوافذ المغلقة. تقول جارتهم أن هذا أودى بحياة آلاف وآلاف الأشخاص. يفكر الصبي في ذلك؛ بالطبع، الكثير من الناس يموتون في مثل هذه الأحداث، كيف يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ مدينة بأكملها تحولت إلى حطام، فقط تخيل ذلك.ثم تأتيه فكرةتقدم فرصًا جديدة لمستقبل أفضل. يسأل نفسه هل نجا المعلم؟ فهو يعيش في مكان ما في وسط المدينة، أليس كذلك؟ ما أجملها من نعمه هذه الحرب. من الصعب تصديق أن تقوم حرب بأكملها، ويحدث القصف بأكمله، فقط من أجل تقديم خدمة له، لكن هذا ما يبدو عليه الأمر الآن. إنه ميت، لا بد أنه ميت! يجزم أن جنازته فاخرة، الفصل بأكمله خلف تابوت معلمهم المحبوب، تتدفق الدموع من عينيه.ويشعر أن العدالة لا زالت موجودة في هذا العالم . يتستر على ملامح الفرح المرسومة على وجهه. ابتسامة واحدة يمكن أن توقعه في ورطة.

تمر الأيام ويأتي معها شعور بعدم الاستقرار. يتجول الصبي في الحي بدون هدف؛ لا يُسمح له بالذهاب إلى المدينة، ليس بعد. ثم يأتي اليوم أخيرًا؛ يجب أن يشعر والديه بطريقة ما أن عليه العودة إلى المدرسة. ها هويستعد للذهاب محملاً بتوقعات عالية، ستحدث المعجزة. سيعود إلى تلك المدرسة المسيحية اللعينة بجدرانها المطلية بالأخضر المتسخ، لتعلم سفر المزامير عن ظهر قلب وترديدها بصوت عالٍ مع الفصل بأسره، والاستماع إلى تلك القصص مرارًا وتكرارًا عن السيد يسوع وتلاميذه، لكنها ستكون محتملة الآن بعد أن مات ذلك المعلم النتن، تحت الركام. حسنًا، دُفِنَ: ربما حرق حتى تحول إلى رماد داخل منزله، كل شيء ممكن في مثل هذه الأوقات. يقف الأولاد أمام المدرسة متحمسين، يروون قصصًا، كل قصة أكثر جنونًا من الأخرى، لكن الصبي يتخطى الصف في خارج البوابة. عندما يفتح البوابين، يكون هو الأول الذي يركض عبر ساحة اللعب. داخل الفصل الدراسي نفسه يقلل من سرعته، سنوات من التأديب تجربه على فعل ذلك.

عندما يدخل الصف، يجد المعلم واقفًا أمام الطاولات، قوام منتصب بزي بني، فمه عريض مزدوج، شعره الداكن المموج ممشط إلى الخلف. يجلس الصبي على مكتبه وينظر بيأس إلى الرجل أمامه. يدخل الأطفال الآخرون ببطء، يذهب المعلم إلى الباب، ينظر لأعلى ولأسفل في الردهة، ثم يغلقه. صمت، صمت، صمت. يتجه ليواجه الطاولات، يطوي يديه، ينظر للسقف ثم يغلق عينيه. يفعل الأطفال الشيء نفسه. يطوي الصبي يديه أيضًا لكنه يستمر في النظر ويرى فم المعلم الشبيه بفم الضفدع يفتح ويغلق، “أبانا الذي في السماوات، في هذه الأوقات الصعبة نضع ثقتنا بك … ساعدنا على فعل هذا وذاك … اغفر لنا لهذا وهذا … لكي لا نواجه أعدائنا بكراهية…”

يتردد صدى الصلاة ببطء.

فجأة يفتح المعلم عينًا واحدة وينظر مباشرة إلى الصبي. يشعر بنفسه يحمر من الخوف ويشعر برغبة في إغلاق عينيه بسرعة، ولكن، لدهشته، لا يفعل. بتحدي، يحافظ على تركيزه على الرجل الذي يكرهه.تنتهي الصلاة، وبعد الآمين، يبقى المعلم منحنيًا للأمام لحظة قبل أن يرفع جسده بكل استقامة ويتحرك بقرارة وحزم، بينما تنبعث التهديدات من كل خطوة يخطوها نحو الصبي…

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

الوسوم

روابط