حسين سجادي غائم مقامي فرحاني، المعروف بشكل أفضل بالاسم الأدبي قادر عبدالله، هو كاتب، وشاعر، وكاتب صحافي إيراني-هولندي. تحمل كتبه، التي كتبت باللغة الهولندية مواضيع فارسية.
مع أن مدينتنا كانت صغيرة، لكنها احتوت مكتبة كبيرة تحتضن أرففها مئات المجلدات التي كتبها كبار سادة الفرس. صفوف من الكتب القديمة بأغلفة بنية وسوداء وخضراء داكنة؛ حافظ، وسعدي، ورومي، وعمر خيام، وعطار، وفردوسي والعديد من الأسماء الأخرى الخالدة التي شكلت اللغة والأدب الفارسيين.
بدون تلك الكلاسيكيات، أشعرُ وكأنني سمكة خارجة من مجراها المألوف.
أحيانًا عندما أكون في معرض بيع القهوة، أجد نفسي أرددُ القصائد الفارسية كما لو كنت في حالة من النشوة. يلتفت سماسرة القهوة الهولنديون إلى بعضهم البعض ويقولون: «انظروا، الفارسي مشغول بترديد آياته القرآنية مرة أخرى».
كان لي عم شاب يعيش في طهران حيث عمل هناك في مجال صناعة الأفلام. في مدينتنا، لم يدخل أحد من قبل قاعة سينما، لكن العم جلال كان يعمل في قاعة سينما كان قد افتتحها رجل أميركي هناك.
ذات ليلة رآني جلال صدفة في مكتبة المدينة.
قال: “لا تتحرك، ابق هكذا بين الخزائن”. والتقط بعض الصور.
“أخبرني، ما الذي يقلقك؟”
عانقتهُ وقبلتهُ. في طريقي إلى المنزل صارحته عما جال في خاطري: «عندما ألقي نظرة على كل تلك الكتب، يعتصر قلبي ألماً. لقد كتب المعلمون بالفعل عن كل شيء، ولم يتركوا مكانًا لي. ومهما كتبتُ، فسأبقى دائماً في ظلهم.».
قال العم جلال، «آه، يا فتى، ليس بالضرورة أن تكون كاتبًا؛ هناك الكثير من الأشياء الأخرى التي يمكنك القيام بها في الحياة».
أجبته «لا أريد أي شيء آخر».
قال بهدوء: «حسناً، سأعلمك شيئًا. اسمع، لقد قرأتُ جميع الكلاسيكيات الفارسية تقريبًا. يدعي جميع الأساتذة القدامى أن الله يترك جزءاً منه في خلقه. لقد وهب الإنسان إحدى أقوى صفاته وهي قوة الخيال. إنه سر لا يستطيع الوصول إليه إلا النبلاء. لذا، أيها الشاب، ابتكر شيئًا واجعله ممكنًا. لقد فعل الله نفس الشيء. تخيل الله البشر وخلقهم. فكر في الشمس فكانت. هذا هو السر.».
سألته «ما الذي يفترض بي أن أفكر فيه؟»
«حاول أن تتخيل حمل النسخة الأولى من كتابك الأول بين يديك، وبسعادة تضع وجهك بين الصفحات وتستنشق عطرها. هل تفهم ما أقصد؟»
«نعم. أعني، لا، ليس تمامًا.»
«خذ محمد النبي كمثال. كان أميًا، لكنه فكر في كتاب عظيك. لم يستطع الكتابة بنفسه، لكنه أوقف الناس في الشارع وطلب منهم أن يدونوا ما يقوله. بهذه الطريقة ابتكر كتابًا كبيرًا دون أن يكتب كلمة واحدة بنفسه. آخرون كتبوه نيابة عنه».
ضحكت، «عمي، ما الذي تقوله؟»
«الخيال يساعدنا في العثور على الحب أيضًا، لكن لا تخبر والدك. أنا أحب النساء الجميلات وأحصل على من أريده منهن».
«عمي، لا يجب أن تقول مثل هذه الأشياء.»
قال بنبرة جادة: «اسمع، عليك أن تعرف كيف وأين تريدهم. كل شيء يجب أن يحدث هنا أولاً». نقر بإصبعه على رأسي.
عندما اقتربنا من المنزل، همس، «لا تنسى: في رأسك».
أردتُ الظفر بـ ليلى، أجمل فتاة في شارعنا. ولذلك، فعلتُ ما نصحني به عمي، وفكرتُ فيها طوال الوقت.
اشتهرت منطقتنا بالعنب الأرجواني الطري الذي قطفته النساء في فصل الخريف ليصنعوا منه العصائر في منازلهم. في مدينة العنب الأرجواني، عشقتُ ليلى. كنا على اتصال دائم، لكن كان من المستحيل تقريبًا أن نكون معًا. ارتدت النساء الشادور عند خروجهن من المنزل ولا يكشفن أنفسهن للرجال الغرباء. كثيرا ما التقينا في المسجد المجاور لمنزلنا. من هناك سار الناس الواحد تلو الآخر عبر الممر الطويل المظلم إلى قاعة الصلاة. كانت ليلى على بعد بضعة أقدام أمامي، وكنتُ أراقبها.
ذات يوم عندما كان الممر خالياً من الناس، أعطتني تفاحة. لم أعرف ما كان يجب أن أفعل بالتفاحة للحظة فوضعتها أمام أنفي وشممتُ رائحتها. ابتسمت ليلى وذهبت إلى غرفة الصلاة.
في وطننا، يزور الناس المقابر بشكل جماعي كل يوم خميس. هناك يقومون بتنظيف القبور، ولف السجاد، ووضع الشاي والتمر والجلوس بجانب قبر الشخص الذي يزورونه. كانت أمسيات الخميس رائجة بين الشباب. يمكن للناس أن يجتمعوا سرا وسط الحشود.
في ليلة خميس كهذه، تركنا أنا وليلى موتانا خلفنا، قادت هي الطريق وتبعتها. تلامست يدانا صدفة. لم أكن أعرف إلى أين كانت تتجه، ربما إلى العدم. تجولنا بسعادة في المقبرة حتى وصلنا إلى معبد القديس صالح، حيث لم يُسمح سوى للنساء بدخوله. خلعت ليلى حذاءها عند الباب، ودخلت واختفت خلف الستارة. دفعتُ الستارة جانبًا. وقفت ليلى هناك وتظاهرت بأنها لا تعرف أنني كنت أراقبها سراً. أسقطت شادورها الأسود على الأرض وخلعت أزرار وشاحها. رأيت شعرها لأول مرة وعقدها الذهبي وأقراطها وبلوزتها الخضراء الداكنة.
عندما خرجت من المعبد، أردتُ مسك يدها. لكنك لم ترد فعل ذلك في وجود القديس المدفون هناك.
اتبعتُ نصيحة العم جلال. في مخيلتي، رأيتُ ليلى تغسل قدميها، ترفع الجزء السفلي من تنورتها وتدخل في حوض كبير مليء بالعنب.
الآن كان علي أن أتصرف.
لم يكن من المناسب التسلل إلى أسطح المنازل مثل اللصوص، لكن ما قدمه لي عمي كان أقوى من أي تعليم تلقيته في المنزل. جازفت بشرف وسمعة والدي وتخيلتني أتسلق سطح المسجد.
كان الحوض الكبير يقف في ظل شجرتهم بجوار العنب المقطوف. على السطح، استلقيتُ منتظراً. ظهرت والدتها على الشرفة واختفت مرة أخرى. واصلتُ الانتظار. جاءت شقيقتها الكبرى وألقت العنب في حوض الاستحمام. انتظرتُ. هبط غراب بجانب الحوض وبدأ بنقر العنب.
«ابتعد!»، صرخت فتاة ما، وألقى أحدهم شبشبًا على الغراب.
كان ذلك صوت ليلى! هل سيتحقق خيالي؟ حبستُ أنفاسي. نزلت ليلى من عتبات الشرفة وتوجهت إلى حوض الاستحمام. غسلت قدميها، ورفعت حافة تنورتها بكلتا يديها، ودخلت الحوض مثل راقصة.
في تلك اللحظة ظهر مؤذن المسجد على السطح وبدأ أذانه. أعلن عن وصول شهر رمضان المبارك. في ذلك الشهر الكريم، تقترب الملائكة من الأرض لمراقبة الإنسان ويجلس الله عند النافذة في السماء السابعة ليعجب بخلقه.
كان الله يراقبني، كان يراقب ليلى. أغلقت عيني.
هناك مقولة شرقية حكيمة: إذا أغلق الله لك بابًا، سيفتح لك غيره.
في شهر الصيام هذا، أيقظ المؤذن الناس لتناول طعامهم قبل شروق الشمس.
ثم ملأت رائحة الطعام المنزل كله، وأصبح الشاي جاهزًا، وتلا والدي الآيات المقدسة، وكان بإمكانك سماع صوت الأواني في المطبخ وصياح الديوك من الأسطح.
في منتصف شهر رمضان، توفيت والدة المؤذن واضطر إلى العودة إلى قريته. كان القائم بأعمال المسجد يبحث عمن يحل محل المؤذن. لم أتردد، وعرضتُ خدماتي على الفور.
«رائع، ستذهب إلى السطح، وهكذا تقترب من الله. سترى، يا فتى، ستكافأ.».
منعني توتري من النوم ولو للحظة واحدة. خشيتُ أن أنام أكثر من اللازم وأنه عندما أستيقظ، ستكون الشمس تتوسط سماء المدينة.
عندما حانت اللحظة، صعدتُ السلم، والتفتُ نحو غرفة نوم ليلى وصرخت:
حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على خير العمل. استيقظوا أيها الناس، استيقظوا للصلاة، من أجل الأعمال الصالحة، من أجل السعادة، الله أكبر.
حالما صرخت «حي على الصلاة»، انبعث النور في غرفة ليلى وتموج ظلها على الستارة. دفعته جانباً ووقفت ناعسة عند النافذة بملابس النوم. وقفت للحظة واحدة. لم تنظر إلي، فذلك حرام في شهر رمضان، وكان الله يراقبها. لذا زحفت عائدة إلى السرير وتركت ساقيها الجميلتين تخرجان من تحت بطانيتها. قال والدي في الليلة التالية: «لماذا تصرخ بصوت عالٍ يا فتى، أنت تخيف الملائكة».
تكررت الطقوس نفسها، ولكن مع تبقي بضع ليالٍ لوصول الشهر إلى نهايته، لم يعد النور ينبعث في غرفة ليلى. لم يهز صراخي ستارتها.
اختفت ليلى، ولم تظهر مرة أخرى. لا في شارعنا ولا في المسجد.
في ذلك الوقت انشغلتُ بأمر الله كثيراً. تعاظمت شكوكي حول وجوده. مع القليل من الأمل في رؤية ليلى مرة أخرى، تحديتُ الله. كتبتُ في مذكراتي: «يا رب! إذا كنت موجودًا، فأنت تعلم كم أفتقد ليلى. لدي أمنية بسيطة. أريد أن أرى ليلى. في يوم الأحد، ما بين الساعة العاشرة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر. في تمام الساعة الواحدة ظهراً، سأمر بمنزل ليلى. يا إلهي، اجعلها تأتي إلى الباب عند الساعة الواحدة. إذا أتت، فأنت موجود. وإن لم تأت، فلا وجود لك.».
بدلتُ ملابسي، وارتديتُ حذائي الجديد، ومشطتُ شعري ومشيتُ إلى منزل ليلى. نظرتُ إلى الوقت: الواحدة إلا ثلاث دقائق، إلا دقيقتين، إلا دقيقة واحدة، الساعة الواحدة بعدة، دقيقة بعد الساعة الواحدة، دقيقتين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبع دقائق بعد الواحدة ظهراً. لم تظهر ليلى.
اختفى الله من حياتي. إذا أردتُ ليلى، فعلي الاعتماد على قوتي الخاصة. طرقت على بابهم الأمامي، ولم أجد أي رد. طرقت بقوة وسمعتُ صوت خطوات تقترب. فتح والد ليلى الباب. نظر إليّ وقال: «ماذا تريد؟»
«ليلى» أجبته.
كنت أتوقع منه أن يضربني، لكنه لم يفعل. أغلق الباب بقوة في وجهي. عدتُ إلى المنزل وكتبتُ عن حزني. هكذا خُلقت قصة (المؤذن).
أردت لحزني… قصتي، أن تُنشر في الصحيفة المحلية، تماماً مثلما حدث مع رسمة والدي. كان الصحيفة تصدر كل أسبوعين بتنسيق صغير وبأربع صفحات فقط. كانت صحيفة الحي، وتُنشر فيها أخبار المدينة.
كان الرجل العجوز الذي يرتدي نظارة طبية وله شارب رمادي متدلي يتولى تحرير وكتابة كل شيء في الصحيفة بمفرده. جلس خلف آلة كاتبة قديمة من نوع أولمبيا. حييته ووقفتُ بخجل أمام مكتبه.
«كيف يمكنني مساعدتك يا فتى؟»
«لدي قصة».
أخرجتها من جيبي الداخلي.
قال «تعرض علي قصة في الصباح الباكر، لا بد أن يكون وراءها هدف كبير».
بدأ في القراءة. بعد السطر الأخير، خلع نظارته وقال: «قضيتُ أربعين عاماً أعمل في هذه الوظيفة المملة، لا أنشر سوى الوفيات، وقضايات الإيجار والمحاكمات الخاصة، ناهيك عن نشر تهنئة لرئيس البلدية اللعين بمناسبة زيادة راتبه. صار الآن عندي قصة لأنشرها. لكن يا فتى، قرائي ليسوا معتادين على هذا النوع من النصوص. إن لم أكن مخطئاً، فأنت ابن ذلك النجار الحرفي. ألا تعتقد أن هذه القصة ستحرج والدك؟»
«ليس عليك أن تضع اسمي تحتها.»
«هذا ممكن، هل لديك اسم مستعار؟» سأل.
“لا، لم أفكر باسم مستعار… لحظة، لدي واحد، يمكنك وضع (أشنا) تحتها».
«اسم لا بأس به. سأرى ما يمكنني القيام به من أجلك، لكنني لا أقدم أي وعود».
معنى كلمة أشنا: صاحب.
بعد أسبوع، ظهرت قصة (المؤذن) في جريدتنا باسم مستعار. وهكذا نُشرت قصتي الأولى باللغة الفارسية.




