مارسيلوس إيمانتس كان شاعرًا وكاتبًا هولنديًا بارزًا في القرن التاسع عشر، معروف بنقده اللاذع للمجتمع والدين. أعماله الأدبية، التي تجمع بين الواقعية والرومانسية، تناولت مواضيع مثل الحب والحرية والتحولات الاجتماعية. يُعد إيمانتس من الشخصيات الأدبية المؤثرة في الأدب الهولندي وقد ترك إرثًا ثقافيًا يُذكر به حتى اليوم.
كان اسم “زاي” منقوشاً على طاولة المناظرات في نادي الرجال. لذلك فمن المرجح أنه شخص غير حقيقي. ومع ذلك، قيل إن له هذا الرأي: وفقًا لـ زاي. أتى الكون وما فيه من خلق بعد تصرف مجنون قامت به القوى العليا، ونتيجة لهذا التصرف، حُكم علينا بالعيش في عبث، والتصرف بعبث، وتحمل العبث. لا يروج زاي لهذا الرأي، بل على العكس، فهو عادة ما يرفض التصريح به؛ فهو شخص قليل الكلام، ونتيجة لقلة كلامه، لم يكون أية صداقات، ونادرًا ما تواصل مع معارفه. ومن هذا المنطلق، يُنظر إليه على أنه شخص أحمق، أو غير ذكي أو متصنع. لكن أولئك الذين لا يعرفونه حق المعرفة، لا يريدون الحكم عليه بناء على مظهره، ويرون أن زاي لا يستحق مثل هذا الحكم المجحف. هناك من يقول إنه مفكر لامع يفتقر إلى ما يكفي من الطموح لنشر أفكاره، إلا أن لا أحد ينكر غرابة أطواره.
في الشوارع الفارغة للبلدة الهادئة التي يعيش فيها، لا يخرج زاي من منزله دون أن يتحول إلى محطة لسخريات الناس، ويصبح حضوره شرارة تشعل نار النقاشات بينهم. يقول بائع الخضار، وهو يضحك طوال الوقت، للخادمة إنه رأى للتو ذلك الرجل العجوز الذي يرتدي معطف المطر القديم وقبعة رأس كبيرة. وفي المدرسة، يسأل أحد التلاميذ زملائه في الفصل: من هو ذلك الرجل الذي دائماً ما يمشي وحيدًا وينظر إلى الأمام كما لو كان غاضبًا. يسأل زائر النادي زملائه الأعضاء: ما نوع وطبيعة هذا المدعو زاي، وما هي وظيفته وكيف يعيش؟ فهو بلحيته الكثة وشعره الطويل يبدو مثل وعاظ الشوارع، لكنه لم يعظ قط. هناك أيضًا من يظن أن زاي من فئة الصم والبكم.
الحقيقة هي أن زاي بلا وظيفة، ويعيش حياة متواضعة معتمداً على المبلغ المالي البسيط الذي يملكه، لا يفعل شيئًا، ولا يطلب شيئا، وهي حقيقة لا يستوعبها معظم الناس، فهم لا يفهمون كيف لأحدهم أن يعيش بالطريقة التي اختارها زاي لنفسه.
نادراً ما يسمح زاي لنفسه بالتحدث، أو استعراض عمق رؤيته للحياة. وإذا وجد نفسه مضطراً لفعل ذلك يبدأ حديثة بالشكل التالي: ما أول شيء يفعله الإنسان المولود حديثاً؟ المص. لماذا يفعل ذلك؟ للبقاء على قيد الحياة. والآن، أليس من العبث أن شخصًا لا يعرف شيئًا عن الحياة بشكل عام، ولا يعرف بشكل محدد ما إذا كانت حياته الخاصة ستسير حسب تطلعاته، يرغب عند ولادته على الفور في البقاء على قيد الحياة؟ أما البشر، الذين كانوا ومازالوا عميان فيما يخص ما يحمله له القدر، يستمرون في سخافة هذا الفعل حتى استنفاد آخر ذرة من طاقتهم. فهم حتى لو وصلوا إلى مرحلة يفقدون فيها القدرة على النظر والسمع، أو إلى مرحلة لا يعد فيها أي عضو من أعضاء الجسد تحت سيطرتهم بالشكل الذي تعودوا عليه، أو قضاء اليوم من الصباح حتى الليل وفي كثير من الأحيان طوال الليل سوى معاناة الألم وتحمل البؤس، فإنهم يظلون في محاولة إطالة أمد وجودهم المروع بكل أنواع السبل. أليس هذا سخيفاً؟ أليس من العبث أيضًا أن نلوم أو نسخر أو ندين المنتحرين – الذين هم في الواقع الأفراد العقلانيون الوحيدين؟ ماذا يفعل الإنسان عندما يكتسب أقل القليل من الوعي بالعالم؟ يبدأ بالادعاء. يلف حبلاً حول ذراع الكرسي، ويجلس خلفه وفي يده سوط، ويتخيل أنه يحرز تقدمًا في عربة يجرها حصان. أليس هذا سخفاً؟ يهز الدمى في ذراعه، ويلبسها، ويقدم لها الطعام والشراب، ويتظاهر بأنهم أطفال. أليس هذا وهماً؟ عندما ينمو قليلاً، يضطر إلى حشو رأسه بآلاف مما يسمى بالمعلومات المفيدة، والتي قد لا يكون لديه اهتمام بها لاحقاً، أو يصفها بأنها غير صحيحة ويتجاهلها في اللحظة التي قد تصبح فيها مفيدة. علينا أن نعترف أن الإنسان نفسه في شبابه يجد هذا الأمر سخيفًا للغاية ويقوم به فقط لأن الحمقى الأكبر سناً منه، أي الآباء الحمقى، يجبرونه على ذلك، خشياً منهم من ظهور جيل يرى بطريقة غير متحيزة سخافة كل شيء. ولكن قبل أن ينهي مهمته أو دراسته، يسقط في أكبر مستنقع من العبث عندما يقع في الحب ويتطلع إلى الزواج. حب! هذا الفن الخاص الذي ابتدعه البشر بلا معنى. لكني أسألك: هل يمكنك تصور أي شيء أكثر جنونًا من الحب؟ انظر حولك أينما كنت وسترى أن الناس لا يختلفون عن بعضهم كثيراً، لا في الظاهر ولا في الباطن. باستثناء عدد قليل من الأشخاص ذوي الظهور المشوهة، والأشخاص الغريبين، والشاذين والمجرمين الكبار… وحتى فيهم يمكن التعرف بسهولة على النوع البشري … الأفراد يظهرون فقط اختلافات طفيفة في الجسم والعقل.
ومع ذلك، فإن الشخص المحب تخطر بباله فكرة مجنونة مفادها أن كائناً واحداً، لم يكن يعرف حتى عن وجوده بالأمس، هو في جميع النواحي، جسدياً وروحياً، مثالاً أعلى يسمو فوق جميع الكائنات. ولكي يظهر غباؤه بوضوح، يستمر في المطالبة بحق الحيازة على تلك الفكرة. لا يستطيع أن يتخيل وجوده منفصلاً عن ذلك الكائن الآخر، ويتخيل بأنه سيعيش في سرور دائم لو تمكن من الاتحاد به طوال حياته. كل ما يملكه هذا الآخر: العينان، والأنف والفم، واليدين، بل حتى تلك الأجزاء التي لم يرها بعد، تجعله يغشى عليه من النشوة، وبدون أثر أو ظل دليل، ينسب إلى من يعشقه كل صفات العقل والقلب، والتي تعتبر في الحياة اليومية جميلة ونبيلة وجيدة. يتحول إلى شخص غير مسؤول عن أفعاله في فترة الارتباك هذه؛ لكن لا أحد يدرك أن الحب يجب أن يُنظر إليه على أنه تفاقم مؤقت للعلة الدائمة: الحيوية. بمجرد أن يتزوج – بمعنى آخر، ما أن تحوز يداه على ما رغبت به عاطفته المجنونة –يفعل كل ما بوسعه لزيادة أعباء وآلام حياته، على الرغم من أنه يندب باستمرار تلك الأعباء والآلام. يُشدد أيضاً على أن هذه الأعباء والآلام قد فُرضت عليه من أجل تحسين أخلاقه، تحسيناُ يمكن لمن حوله الاستمتاع به، بينما هو نفسه لن يستطيع ذلك.. وتتحقق هذه الزيادة في الأعباء والآلام بشكل رئيسي من خلال إنتاج أطفال يواصلون مسيرة جنونه، ويعذبونه ويسخرون منه حتى قبل تعلمهم للمشي، ومن ثم يهجرونه ويتركونه وحيداً بينما يتوقع التعويض منهم على كل ما أنفقه على تربيتهم، وعلى ما تحمله من أجلهم. كان من الأفضل له أن يشتريهم أو يستأجرهم فعندها على الأقل سيكون قادرًا على تقييم ما كسب وخسر. هل تظنون أن الأمر يتوقف هنا؟ فالمرأة التي ترفض شراء أصغر قطعة من البضائع دون أن تقيسها أولاً وتختبرها للتأكد من متانتها وجودتها، لا تتردد في اختيار مواجهة أفظع الآلام لتنجب الأطفال على الرغم أنه ليس من المضمون عدم إصابتها بأفظع الاضطرابات الجسدية والعقلية جراء ذلك.
كل من الوالدين يحبون أبناءهما قبل أن يأتوا إلى هذا العالم. على الرغم من أنهما لا يخاطران بخسارة قليلة في مسابقة اليانصيب للحصول على ملايين الدولارات، إذ تعتبر فرص الخسارة أكبر من الفوز، إلا أنهما في الوقت نفسه يخوضان مراهنة أكبر. يتخليان بفظاعة عن السكينة والحرية النسبية، ويتنازلان عن حياة هادئة إلى حد ما، من أجل فرصة مشكوك فيها بشكل كبير، تمنحهما لحظات قليلة من السعادة المؤقتة مع أطفالهما.
عندما تنشغل الزوجة في رعاية الأطفال، يخرج الزوج ليكدح ويعرق في هدم ما بناه أسلافه وإنتاج أعمال جديدة لإخوانه من الرجال، والتي سوف يدمرها خلفاؤه بنفس الاحتقار. أن يُحسد الرجل على هذا العمل الشاق، من قبل البلهاء الذين هم أكثر مرضًا منه، هو أمر مجنون بنفس الدرجة، فهو نفسه يرى شر متأصل في كل وظيفة، ومع هذا يلعن الكسالى الأقل جنوناً منه، والذين يسألون أنفسهم: لماذا يجب علينا تحمل ثقل هذه الأعباء على أكتافنا؟ أليس سيئاً بما يكفي أننا على قيد الحياة؟
إذا تلقى الموظف من الحكومة – التي يكرهها بالطبع، فمن يرغب في أن يكون تحت حكم الآخرين – وسام شرف مثبت بدبوس على ثيابه كتكريم له… فإنه يُبين… أن سخريته من زينة الآخرين… لا تظهره أكثر حكمة عما كان عليه في طفولته، عندما كان يتخيل أن المربية التي تراه يجلس على حصان هزاز خشبي تعتقد أنه ضابط عسكري.
يلقي زاي خلاصة فلسفته:
تفكر في النشاط البشري الفوضوي كما تشاء، وإذا لم تُصبك سُكرة غريزة البقاء على قيد الحياة، فسوف تشهد كل ذلك الجنون قريبًا. انظر، على سبيل المثال، كيف يحارب البشر باستمرار الأمراض التي تفتك بهم، وفي الوقت نفسه يبذلون قصارى جهدهم لإنقاذ من يصاب بها وينقلها لهم. استمع إليهم وهم يجادلون ويتناظرون إلى الأبد، على الرغم من أنهم يعترفون بأنهم لا يعرفون شيئا. انظر كيف يبجلون الحقيقة ويتعبرونها شيئاً مقدساً، ويكذبون ويخدعون بعضهم بعضًا باستمرار على كل نطاق. لاحظ كيف يضطهدون المرء ويحبطونه في حياته، ويمدحونه بعد وفاته. انظر كيف يعتبر الناس الحياة الدنيوية هي أثمن ما يملكون، وشرط لا غنى عنه للاستمتاع بكل شيء آخر، وانظر إلى مدى تهورهم في التعامل مع تلك الحياة، حين ينخرطون في مغامرات متهورة، ويقصرون من أمدها من خلال سلوكياتهم، والتضحية بها من أجل أشياء متخيلة مثل الحب أو الوطن أو الشرف. ستجد السخافة أينما رأيت، لا شيء سوى السخافة، ومن الجيد أن الإنسان بدأ يدرك ذلك أخيرًا.
منذ سنوات عديدة، بدأنا في معاملة أشرس المجرمين والنظر إليهم كمجانين؛ وفي عصرنا الحالي، نفكر في إنشاء ما يُسمى بملاجئ الفاسدين، وقد لا يمضي وقت طويل قبل أن نبني كل المجتمع على شكل مصحة ضخمة لها أجنحة للأمراض العقلية.
ربما سيكون ذلك بداية لفترة نسبية من السعادة للبشرية؛ لكن طالما يحاول البشر عقلنة السخافة، فإن عملهم محكوم بالفشل.
وعندما انتهى الراوي من إخبارهم عن فلسفة زاي، لم يصدر من معظم أعضاء طاولة المناقشة أي رد سوى إظهار ملامح الازدراء أو إطلاق ضحكة شفقة. إلا أن أحدهم قال: ما يقوله هذا الرجل ليس بهذه الغباء تمامًا. فمن يعترف بأنه مجنون، فهو كذلك. ينما الفرد الذي يمتنع عن مثل هذا الاعتراف ربما يكون قد غمره الجنون لدرجة تعيق قدرته على رؤية حالته بوضوح.
لم يتردد أعضاء طاولة المناقشة في الرد على ما قاله:
ها قد نطق مجنون آخر.




