شجن غِر – نيك دوندرس

نيك دوندرس

كاتب هولندي. درس الفلسفة في جامعة تيلبورخ، وبدأ الكتابة بعد قراءة رواية حلوى تركية لـ يان فولكرز. هذه أول قصة تُنشر له.

في وقت مبكر من الصباح، وجدتُ رسالة ملقاة على السجادة، كان قد كتبها والدي. دفع الرسالة من فتحة البريد في منتصف الليل، لكي يتجنب مواجهة والدتي. كنتُ صغيرًا جدًا لفهم مضمون الرسالة. توقيت تركه للرسالة يعني أنها لم تحتوي على أخبار سارة. سلمتُ الرسالة إلى والدتي بحماس في غير محله، حماسٌ لا بد أنه كان مفجعاً بعض الشيء بالنسبة لها.


«انظري يا أمي! رسالة من أبي! ماذا يوجد بداخلها؟»

تنهدت والدتي، وقالت إنه لن يأتي لاصطحابي يوم الأحد القادم، منذ ذلك الحين، قلت زياراته لنا. أتذكر أن والدتي كانت تسعل في الليل، صارت تفرط بالتدخين. من غرفة نومي، كنتُ أسمعها تسعل كثيراً لدرجة أنني خشيتُ أنها على وشك الموت. خفتُ ألا يعتني أحد بي بعد رحيلها، فمع وفاتها، سأكون يتيماً.

كان والدي يشبه بونيك، لاعب خط الوسط البولندي. كان عريضاً وطويل القامة، بشعر وشارب أحمرين. بعد أسابيع قليلة من تركه لتلك الرسالة، جاء ليأخذني للتنزه معه. قاد سيارة مازدا خضراء من نوع 626، وبمجرد ما رأيتُ تلك السيارة تقترب من عتبة بابنا، ركضتُ إليها.

كانت شقيقتي تجلس في المقعد الخلفي. صرخت باسمي وعانقتني. كان اسمها لوسيندا، وكبرتني بثلاث سنوات. كانت والدتها هي زوجة والدي الجديدة. فكرة أن شقيقتي وُلِدت بينما كان هو ووالدتي لا يزالان معاً لم تخطر ببالي في ذلك الوقت. أحببتُ فكرة أن تكون لي شقيقة كبرى. كنا مجرد طفلين، أما البالغين الذين ربونا فلم يكونوا أناس سعداء. كانت لوسيندا الشخص الوحيد الذي وثقت به منذ صغري.

اعتدنا الذهاب إلى السينما، أو لعب الميني جولف، أو زيارة ملعب في بلجيكا لتعبئة خزان الوقود بثمن أرخص. وعلى الرغم من وجود والدي معنا، إلا أنه نادراً ما تحدث معنا. فضل الجلوس لوحده على الشرفة والتحدث على الهاتف، وحتى في السينما، فإنه كان يغفو. لم يكن من الصعب نسيان وجوده معنا. بالنسبة لي، كانت أيام الأحد هي الأيام التي تتيح لي الفرصة للقاء شقيقتي.


تعودت لوسيندا مناداته بـ «خير»، وهو فعل أشعرني بالغرابة. اسمه خيرارد، لكني كنت أناديه «والدي» أو «أبي». عندما سألتها عن سبب مناداتها له بهذا الاسم، هزت كتفيها بلا اكتراث. لم أتعرف عليه جيدًا، فالغياب هو السمة اللافتة في شخصيته: تميز بالبرودة والانطواء. كان الأمر أعمق مما يُعزى إلى الأنانية العادية، فعدم اهتمامه بالآخرين لم يعني انغشل بنفسه، بل كان الأمر كما لو أنه لا يمتلك الآلية اللازمة للتواصل مع زملائه البشر، كما لو أنه لم يُبرمج للعمل ضمن نفس النظام.

تبعت رسالته الأولى، ست رسائل أخرى. حينها، ولمدة حوالي ثلاث سنوات، قلّت زيارات والدي لأخذي. زياراتُه المتقطعة حاكت تسليمَه الخفي والليلي للرسائل. حاولتُ تخيله وهو يجلس في سيارته والورقة في جيبه. رُبَّما كان يقودُها ببطء لكي لا يوقظَ أحدًا، يركُنُها أمام منزلنا، يغلق باب سيارته بلطف، يعبر الشارع ثم يزحف باتجاهنا ليضع الرسالة. رُبَّما حاولَ جاهدًا عدم إصدار أي صوتٍ عند لمسهِ لصندوق البريد.

افتقدتُ لوسيندا، وتسليتُ بفكرة كتابة رسالة لها، حتى يكون لديها شيء لتفكر به، إلى أن تسمح لنا الظروف لرؤية بعضنا البعض. ربما يمكننا كتابة رسالة لبعضنا البعض كل أسبوع. صارحتُ والدتي بذلك، وتحمست للفكرة. قالت إنه ليس عليَّ الانتظار لرؤيتها. كان لديها العنوان، يمكننا ببساطة إرسال الرسالة.

على مدار عشرة أشهر، بعثتُ خمس رسائل إلى لوسيندا. عبّرتُ فيها عن اشتياقي لها. أردتُ معرفة حالها. أخبرتها كيف سارت الأمور في المدرسة وفي نادي كرة القدم. كانت تعلم أنني تعرضتُ للتنمر في بعض الأحيان. تفاخرتُ في رسائلي بكل أنواع المشاجرات الخيالية التي انتصرتُ فيها على المتنمرين. أردتُ لها أن تعرف أنني شخص قادر على الاعتناء بنفسه. دائماً ما دافعت عني عندما تعرضتُ للمضايقات. خشيتُ أن تقلق بعد أن انفصلنا لفترة طويلة. في المقابل، لم تصلني أي رسالة منها، وبعد مرور سنوات، أخبرتني والدتي أن كل الرسائل التي بعثتها عادت هي، بأظرف مغلقة ولم تفتح. شعرت بالأسف الشديد من أجلي ولم تجرؤ على مصارحتي بذلك.


سيمر عام تقريباً قبل أن أرى لوسيندا مرة أخرى. عندما جلستُ بجانبها في المقعد الخلفي للسيارة، كان واضحاً أن هناك خطب ما. شعرتُ كما لو أنني دخلتُ في منطقة نزاع تمر في هدنة مؤقتة. بدت وكأنها قد بكت للتو.
كان والدي مشغولاً على الهاتف، ولم نستطع، أنا ولوسيندا فهم ما كان يقوله، لكنه بدا غاضباً. بدا أننا كنا في طريقنا إلى منزل زوجة والدي، لكنه أوقف السيارة في مكان ما، في منطقة لم أزرها من قبل، على حافة حديقة صغيرة بها ملعب باسم يوهان كرويف. خرجنا من السيارة قبل أن يقف والدي أمامي ويضع يديه على كتفي وهو ينظر نحوي بإمعان. قال إنه سيعود قريباً.


«اعتني بشقيقكِ الصغير يا لوسيندا!» صرخ وهو يبتعد. لا أستطيع وصف ما شعرت به بالضبط عندما رأيته يركب سيارته ويرحل ببساطة. لقد مرت عشرة أشهر من أن رأيته آخر مرة، وعندما اتيحت لي الفرصة لرؤيته من جديد، رحل بعد خمس عشرة دقيقة.


كانت الحديقة محاطة بالمباني السكنية الشاهقة، أما الأولاد الذي مارسوا كرة القدم في الملعب، فقد بدوا مثل البالغين بالنسبة لي. احتلت دراجاتهم كل بقعة في الحديقة. وقفت لوسيندا بجانبي وتصرفت كما لو أن ترك والدنا لنا هو أكثر الأفعال طبيعية في العالم. أخذت علبة سجائر من حقيبتها، وأشعلت سيجارة. حدقتُ في شقيقتي المدخنة وحاولتُ عدم التفوه بأي شيء طفولي، لكنني كنتُ قلقاً عليها. تذكرتُ نوبات السعال التي انتابت والدتي، وشعرت بالعجز والوحدة. لم أجرؤ على سؤالها عن الرسائل التي أرسلتها لها.


كان والدي قد تركنا في منطقة تقع الغرب. في الوقت الحاضر، آخذ دراجتي وأذهب هناك مرة واحدة على الأقل كل أسبوع. إنه أسوأ حي في تيلبورخ، وتقع هذه الحديقة في أسوأ منطقة في الغرب. قبل فترة، قُتل فيها صبي بعد أن تلقى خمسة رصاصات في ظهره، ووفقاً لشهود عيان، فقد كان يهرب من سيارة خرجت منها أعيرة نارية من المقعد الخلفي. بعد عام من تلك الجريمة، رسم فنان خطوطاً على الرصيف بالطلاء الأحمر لإحياء ذكرى الفاجعة، لا أعتقد أنه أخذ بالاعتبار حقيقة أن أصدقاء وعائلة الضحية يعيشون في نفس الحي وأنهم كانوا يمشون على هذا الرصيف للذهاب إلى السوبر ماركت.


تقع الحديقة التي تركنا أمامها والدي عبر الشارع من هناك. لم أكن قد زرت هذا المكان قبل ذلك اليوم. كانت جميع المباني السكنية مغطاة بأطباق الأقمار الصناعية، وكان بجانب الشقق صف من المنازل لها ساحات أمامية اجتاحتها الأعشاب والقمامة. رأيتُ أريكة جلدية مهترئة تواجه تلفزيوناً مكسوراً أمام باب شخص أحدهم، وعربة تسوق ملقاة أمام المنزل المجاور له. كتب أحدهم على الجدار الفاصل بين مرآبين كلمة «عاهرة» بأحرف كبيرة من الطلاء الأسود. وبنفس الطلاء، أضاف توقيعه في الزاوية اليمنى السفلية.
وقفتُ أنا ولوسيندا على حافة الحديقة بجانب بركة بنية محاطة بالقصب الطويل. أردتُ أن أجلس معها على حافة الماء لكي نختبئ. كان للتضاريس المحيطة بالبركة منحدر تدريجي، مما سمح لنا بالاختفاء عن الأنظار عندما جلسنا على العشب.


مشيتُ أسرع وأسرع على الأرض نحو المنحدر، كنتُ أرفع رأسي إلى لوسيندا لأرى ما إذا كانت تتبعني عندما شعرتُ فجأة باختفاء الأرض من تحتي بشكل مفاجئ. غرقت ساقي في الفراغ، فقدتُ توازني، وانزلقتُ خلف ساقي في الماء. لم أكن أجيد السباحة، وكان الماء باراً بشكل لا يوصف. لوحتُ بذراعي وحاولت للتشبث بشيء ما، لكن لم يكن هناك شيء. حاولتُ الصراخ لكنني لم أستطع رفع رأسي فوق الماء لفترة كافية. لم أستطع أن أرى أين كانت لوسيندا. المياه البنية الداكنة هي كل ما رأيته، شعرتُ أنني اُلتهم.


ذكراي اللاحقة لما حدث: شعر لوسيندا المبلل وهو فوق وجهي، بينما أرتعش مستلقياً على ظهري في العشب البارد. كانت تغمض عينيها بإحكام وتتنفس بصعوبة. فجأة، ضمتني بين ذراعيها بشكلٍ قويٍ للغاية حتى اعتقدتُ أنها تحاول طرد الماء من جسدي. أظن أننا بقينا هناك لوقت طويل، نحتضن بعضنا البعض ببساطة قبل أن تبدأ بالبكاء ببطء، كما لو أن شيئًا في داخلها قد انهار، أما أن فكنت ألفها بذراعي، وأنظر إلى السماء الرمادية.

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

الوسوم

روابط